قَوْلُهُ : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ فَجَعَلَ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ . كَمَا فِي قوله تعالى : ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ . وَأَمَّا التَّوَكُّلُ وَالرَّغْبَةُ فَلِلَّهِ وَحْدَهُ , كَمَا فِي قوله تعالى : ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾ . وَلَمْ يَقُلْ وَرَسُولُهُ . وَقَالَ : ﴿ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ وَلَمْ يَقُلْ : وَإِلَى الرَّسُولِ , وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ , وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ . فَالْعِبَادَةُ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّوَكُّلُ وَالدُّعَاءُ وَالرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ لِلَّهِ وَحْدَهُ , لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ , وَأَمَّا الطَّاعَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْإِرْضَاءُ : فَعَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَنُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَنُرْضِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ; لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ طَاعَةٌ لِلَّهِ , وَإِرْضَاءَهُ إرْضَاءٌ لِلَّهِ , وَحُبَّهُ مِنْ حُبِّ اللَّهِ . وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنْ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ بَدَّلُوا الدِّينَ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَسَائِطَ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ , وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ , فَلَيْسَ لِأَحَدٍ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ إلَّا مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ , بِفِعْلِ مَا أَمَرَ , وَتَرْكِ مَا حَذَّرَ . وَمَنْ جَعَلَ إلَى اللَّهِ طَرِيقًا غَيْرَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ : مِثْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَوْ الْمُلُوكِ مَنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُتَابَعَةِ رَسُولِهِ , وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُفْتَرَاةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ . كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : إنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم اسْتَأْذَنَ عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ , فَقَالُوا : اذْهَبْ إلَى مَنْ أَنْتَ رَسُولٌ إلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُمْ أَصْبَحُوا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ , فَأَخْبَرُوهُ بِالسِّرِّ الَّذِي نَاجَاهُ اللَّهُ بِهِ , وَأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ بِدُونِ إعْلَامِ الرَّسُولِ . وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ : إنَّهُمْ قَاتَلُوهُ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ مَعَ الْكُفَّارِ , وَقَالُوا : مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ كُنَّا مَعَهُ . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ , وَالْكَذِبِ . وَمِثْلُ احْتِجَاجِ بَعْضِهِمْ بِقِصَّةِ الْخَضِرِ وَمُوسَى عليه السلام : عَلَى أَنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَمَا اسْتَغْنَى الْخَضِرُ عَنْ مُوسَى , وَمِثْلُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ : إنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ لَهُ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ , يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ , وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي كَثُرَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الزُّهْدِ وَالْفَقْرِ , وَالتَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ وَالتَّفَلْسُفِ . وَكُفْرُ هَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَقَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ , وَقَدْ يَكُونُ أَخَفَّ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ .
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٩٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي