تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ , بَلْ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْكِبَارُ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ بَعْضُ النَّاسِ ﴿ إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي ﴾ هُوَ مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ الَّتِي لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَرْوُونَهُ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿ لَوْ أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ ظَنَّهُ بِحَجَرٍ لَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ ﴾ فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ . وَقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقٍ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ , فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْكَرْخِيِّ " عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ قَالَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إلَّا بِهِ , وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ , وَبِحَقِّ خَلْقِكَ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ , وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ : هُوَ اللَّهُ تَعَالَى , فَلَا أَكْرَهُ هَذَا . وَأَكْرَهُ بِحَقِّ فُلَانٍ , وَبِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ , وَرُسُلِكَ , وَبِحَقِّ الْبَيْتِ , وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . قَالَ الْقُدُورِيُّ شَارِحُ الْكِتَابِ : الْمَسْأَلَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ , فَلَا يَجُوزُ يَعْنِي : وِفَاقًا . قُلْت : وَأَمَّا الِاسْتِشْفَاعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ , وَهُوَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ , وَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ , وَبِالْإِيمَانِ بِهِ , وَبِمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ , فَهَذَا مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ , كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ﴿ لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَغِثْنِي , فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , قَدْ أَبْلَغْتُكَ ﴾ . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم : ﴿ يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا , سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ ﴾ وَقَالَ ذَلِكَ لِعَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : ﴿ غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا ﴾ فَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ , وَأَمَّا الْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ , فَهُوَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ , قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ , وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَى أُمَّتِهِ أَنَّهُ بَلَّغَهُمْ , كَمَا جَعَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ : ﴿ أَلَا هَلْ بَلَغْتُ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ , فَيَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلَى السَّمَاءِ , وَيَنْكُبُهَا إلَيْهِمْ , وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . وَأَمَّا إجَابَةُ الدَّاعِي , وَتَفْرِيجُ الْكُرُبَاتِ , وَقَضَاءُ الْحَاجَاتِ , فَهَذَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ . وَلِهَذَا فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلرَّسُولِ , وَبَيْنَ مَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ , كَمَا فِي قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّسُولُ مِنْ الطَّاعَةِ , فَإِنَّهُ ﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ . وَأَمَّا الْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى فَجُعِلَ ذَلِكَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ , وَكَذَلِكَ

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٩١