تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ جَلْبِ نَفْعِ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ , فَغَيْرُهُ أَوْلَى .
( الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ ) : 3 - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الزِّيَارَةِ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا , وَالْمَزُورُ , وَالزَّائِرُ . زِيَارَةُ قَبْرِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم : 4 - زِيَارَةُ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهَمِّ الْقُرُبَاتِ وَأَفْضَلِ الْمَنْدُوبَاتِ , وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ مَنَاسِكِ الْفَارِسِيِّ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ : أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ . وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي ﴾ , وَرُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا يَعْلَمُ لَهُ حَاجَةً إلَّا زِيَارَتِي , كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ : ( زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ) .
زِيَارَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم التَّعْرِيفُ : 1 - الزِّيَارَةُ : اسْمٌ مِنْ زَارَهُ يَزُورُهُ زُورًا وَزِيَارَةً , قَصَدَهُ مُكْرِمًا لَهُ . وَزِيَارَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ وَفَاتِهِ تَتَحَقَّقُ بِزِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم . ( الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ ) : 2 - أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم . وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى فِي الْمَذَاهِبِ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ : هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ , تَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ , وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ . وَذَهَبَ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْفَاسِيُّ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ . دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ الزِّيَارَةِ : 3 - مِنْ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَتِهِ صلى الله عليه وسلم : قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ , كَمَا أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ , وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ ﴾ , وَإِنَّمَا قَالَ : هُمْ أَحْيَاءٌ أَيْ لِأَنَّهُمْ كَالشُّهَدَاءِ بَلْ أَفْضَلُ , وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ , وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْعِنْدِيَّةِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ عِنْدَنَا وَهِيَ كَحَيَاةِ الْمَلَائِكَةِ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ ﴿ قَالَ صلى الله عليه وسلم : مَرَرْت عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ ﴾ . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَزُورُوا الْقُبُورَ , فَإِنَّهَا تَذْكُرُ الْمَوْتَ ﴾ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَامَّةً , وَزِيَارَتُهُ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى مَا يُمْتَثَلُ بِهِ هَذَا الْأَمْرُ , فَتَكُونُ زِيَارَتُهُ دَاخِلَةً فِي هَذَا الْأَمْرِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي ﴾ . وَمِنْهَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ : ﴿ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي ﴾ . فَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ زِيَارَتِهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى مِنْ الْحَضِّ أَيْضًا . وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ , وَلَعَلَّ مَلْحَظَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ تُرَغِّبُ بِتَحْصِيلِ ثَوَابٍ أَوْ مَغْفِرَةٍ أَوْ فَضِيلَةٍ , وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِوَسَائِلَ أُخَرَ , فَلَا تُفِيدُ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ الْوُجُوبَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ : وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ عليه الصلاة والسلام سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا , وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا .
وقال ابن تيمية :