تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك إلا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي أينما كنتم فان صلاتكم تبلغني وفي سنن سعيد بن منصور عن حسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب أنه رأى رجلا يختلف الى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده فقال يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي أينما كنتم فان صلاتكم تبلغني فما أنت ورجل بالأندلس منه الا سواء وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد الى زمن الوليد ابن عبد الملك لا يدخل عنده احد لا لصلاة هناك ولا لمسح قبر ولا لدعاء بل هذا انما كانوا يفعلونه في المسجد وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر وأما الوقوف للسلام عليه صلوات الله وسلامه عليه فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة ايضا ولا يستقبل القبر وقال أكثر الأئمة يستقبل القبر ثم السلام خاصة ولا يستقبل القبر ثم الدعاء وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر ثم الدعاء واتفق الائمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد فان من أصول الشرك بالله سبحانه اتخاذ القبور مساجد كما قالت طائفة من السلف في قوله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا نوح وقالوا هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها وقد ذكر هذا المعنى البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره محمد ابن جرير الطبري وغيره في التفسير واحد من السلف وذكره وثيمة وغيره في قصص الانبياء من عدة طرق وقد بسطت الكلام على أصول هذه المسائل الموضع وأول من وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد أهل البدع الرافضة ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد يدعون بيوت الله التي أمر الله أن يذكر فيها اسمه ويعبد فيها وحده لا شريك له ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فان الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد لا المشاهد كما قال الله تعالى قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ثم كل مسجد الأعراف وغير ذلك من الآيات والله تعالى أعلم انتهى واعلم ان من أدلة المجوزين لشد الرحل الى ما ذكره التقي السبكي في كتابه شفاء السقام من الأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عليه السلام من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه الدارقطني وفي رواية حلت له شفاعتي وقوله عليه الصلاة والسلام من جاءني زائرا لا يعمله حاجة الا زيارتي كان حقا علي ان أكون له شفيعا يوم القيامة رواه الطبراني وقوله صلى الله عليه وسلم من حج الى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان رواه ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي رواه الدارقطني والحديث الذي روي من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني رواه ابن عمر وأطنب السبكي في الأدلة وقد أجاب المانعون عن جميع ذلك كما قال الامام الحافظ أبو عبد الله محمد بن احمد بن عبد الهادي في كتابه الذي سماه الصارم المنكي في الرد على السبكي ما نصه أما بعد فاني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاه الشافعية في الرد على شيخ الاسلام تقي الدين احمد بن تيمية في مسألة شد الرحال واعمال المطي الى القبور وذكر أنه سماه شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة ثم زعم أنه اختار ان يسميه شفاء السقام في زيارة خير الأنام فوجدته كتابا مشتملا على تصحيح الاحاديث الضعيفة والموضوعة وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة أو تحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظواهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة ورأيت مؤلف هذا الكتاب رجلا مماريا معجبا برأيه متبعا لهواه ذاهبا في كثير مما يعتقده الى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة صائرا في أشياء مما يعتمده الى الشبه المخيلة والحجج الداحضة وربما خرق الاجماع في مواضع لم يسبق اليها ولم يوافقه احد من الأئمة عليها وهو في الجملة لون عجيب ونبأ غريب تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين فيكون مخطئا في ذلك الاجتهاد ومرة يزعم فيما يقوله ويدعيه أنه من جملة المقلدين فيكون من قلده مخطئا في ذلك الاعتقاد ونسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٢٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٢٥٧