قوله هذه مسألة الزيارة وهي التي أفتى فيها شيخ الاسلام وحبس بسببها حتى مات في الحبس ولنذكر جوابه في المسألة وذلك أنه سئل عن رجل نوى زيارة قبر نبي من الأنبياء عليهم السلام مثل رآه صلى الله عليه وسلم وغيره فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة وهل هي زيارة شرعية أم لا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من حج فلم يزرني فقد جفاني ومن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي وقد روي عنه انه قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا أجاب الشيخ رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له القصر على قولين أحدهما وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية كأبي عبد الله ابن بطة وأبي الوفاء ابن عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في هذا السفر لأنه سفر منهي عنه ومذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله أن السفر المنهي عنه في الشريعة لا يقصر فيه والقول الثاني أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي الحسن الحراني وأبي محمد ابن قدامة المقدسي وهؤلاء يقولون إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم زوروا القبور وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالاحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي رواه الدارقطني وابن ماجة وأما ما يذكره بعض الناس من قوله من قوله من حج فلم يزرني فقد جفاني فهذا لم يروه احد من العلماء وهو مثل قوله من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة فان هذا أيضا باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد ولم يحتج به أحد وانما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء وأجاب عن حديث لا تشد الرحال بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب وأما الأولون فانهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا وهذا الحديث اتفق العلماء على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة ولو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الاقصى لصلاة او اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر ثم مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عليه ثم ابي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجبا بالشرع أما الجمهور فانهم يوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه الحديث رواه البخاري وأما السفر الى المساجد الثلاثة فمل يوجب أحد من العلماء السفر اليها إذا نذره حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر الى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الصحيح من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد الا الصلاة فيه كان كعمرة قالوا ولان السفر لزيارة قبور الانبياء والصالحين بدعة لم يفعلها احد الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحبها احد من ائمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهذا مخالف للسنة واجماع الأمة وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في الابانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة والاجماع وبهذا يظهر ضعف حجة ابي محمد المقدسي فان زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل وهو يسلم لهم ان السفر اليه لا يجب بالنذر وقوله إن قوله لا تشد الرحال محمول على نفي الاستحباب يجاب عنه من وجهين أحدهما أن هذا تسليم منه ان هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة وطاعة فقد خالف الاجماع واذا سافر لاعتقاد أنها طاعة فذلك محرم باجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة ومعلوم ان احدا لا يسافر اليها الا لذلك وأما اذا قدر أن شد الرحل اليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا الباب الوجه الثاني أن الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها كمال باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج احد من الائمة منها بشيء بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة والإمام احمد رضي الله عنه أعلم الناس في زمانه بالسنة
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٢٥٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٢٥٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي