لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ . وَإِنَّمَا دَخَلَ اللَّيْلُ فِي الْمُتَتَابِعِ ضِمْنًا , وَلِهَذَا خَصَّصْنَاهُ بِمَا بَيْنَ الْأَيَّامِ . وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ , لَزِمَهُ دُخُولُ مُعْتَكَفِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ , وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , وَلَيْسَ لَهُ تَفْرِيقُ الِاعْتِكَافِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ تَفْرِيقُهُ . هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ , قِيَاسًا عَلَى تَفْرِيقِ الشَّهْرِ . وَلَنَا , أَنَّ إطْلَاقَ الْيَوْمِ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ , فَيَلْزَمُهُ , كَمَا لَوْ قَالَ : مُتَتَابِعًا . وَفَارَقَ الشَّهْرَ , فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ , وَاسْمٌ لِثَلَاثِينَ يَوْمًا , وَاسْمٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ , وَالْيَوْمُ لَا يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا . وَإِنْ قَالَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي هَذَا . لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ , وَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ ; لِأَنَّهُ فِي خِلَالِ نَذْرِهِ , فَصَارَ كَمَا لَوْ نَذَرَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , وَإِنَّمَا لَزِمَهُ بَعْضُ يَوْمَيْنِ لِتَعْيِينِهِ ذَلِكَ بِنَذْرِهِ , فَعَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ , وَلَمْ يُرِدْ يَوْمًا صَحِيحًا . ( 2193 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا , لَزِمَهُ مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا , وَلَوْ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ , إلَّا عَلَى قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ , فَيَلْزَمُهُ يَوْمٌ كَامِلٌ , فَأَمَّا اللَّحْظَةُ , وَمَا لَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا , فَلَا يُجْزِئُهُ , عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا . ( 2194 ) فَصْلٌ : وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ الْمَسَاجِدِ بِنَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ فِيهِ , إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ , وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ , وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , , وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى , وَمَسْجِدِي هَذَا ﴾ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَوْ تَعَيَّنَ غَيْرُهَا بِتَعْيِينِهِ , لَزِمَهُ الْمُضِيُّ إلَيْهِ , وَاحْتَاجَ إلَى شَدِّ الرِّحَال لِقَضَاءِ نَذْرِهِ فِيهِ , وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَكَانًا , فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِتَعْيِينِ غَيْرِهِ . وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهَا , وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا أَفْضَلُ , فَإِذَا عَيَّنَ مَا فِيهِ فَضِيلَةٌ , لَزِمَتْهُ , كَأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ . وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَتَعَيَّنُ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ﴿ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ , إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ , فِيمَا عَدَا هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ . لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى لَوْ فُضِّلَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ لَلَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ ; إمَّا خُرُوجُهُ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَإِمَّا كَوْنُ فَضِيلَتِهِ بِأَلْفٍ مُخْتَصًّا بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى . وَلَنَا , أَنَّهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُشَدُّ الرِّحَال إلَيْهَا , فَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّذْرِ , كَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَلْزَمُ , فَإِنَّهُ إذَا فُضِّلَ الْفَاضِلُ بِأَلْفٍ , فَقَدْ فُضِّلَ الْمَفْضُولُ بِهَا أَيْضًا . ( 2195 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاعْتِكَافُ فِيمَا سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا , وَلِأَنَّ عُمَرَ ﴿ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ؟ فَقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِك ﴾ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ , وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ; لِأَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِنْهُ . وَقَالَ قَوْمٌ : مَسْجِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّ
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ١٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي