فأما أبو زيد فهو أحمد بن سهل البلخي، جمع بين الفلسفة والعلوم الشرعية والأدب، قال أبو حيان التوحيدي: «الذي أقوله وأعتقده أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ... والثاني أبو حنيفة الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم ... والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي، فإنه لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظن أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر، ومن تصفح كلامه في كتاب أقسام العلوم، وفي كتاب أخلاق الأمم، وفي كتاب نظم القرآن، وكتاب اختيار السيرة، وفي رسائله على إخوانه، وجوابه عما يسأل عنه ويبده به - علم أنه بحر البحور، وأنه عالم العلماء، وما رثي في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير.»
4
ولد ببلخ، ورحل إلى العراق، وأقام به ثماني سنين يأخذ علمه وفلسفته، ثم عاد إلى بلاده ينشر فيها علمه، وكان يقال له: «جاحظ خراسان» - وألف نحو ستين كتابا في علوم مختلفة، منها كتاب في نظم القرآن، قال أبو حيان: «لم أر كتابا في القرآن أحسن منه؛ تكلم فيه بكلام لطيف دقيق، وأخرج أسراره، ولم يأت على جميع المعاني فيه.» وكان يتنزه عن الجدل في القرآن، ويتحرج عن تفضيل بعض الصحابة على بعض، وعن المفاخرة بين العرب والعجم، ويقول: ليس في هذه المناظرات الثلاث ما يجدي طائلا. ومن تآليفه كتاب «أقسام العلوم»، و«شرائع الأديان»، و«كتاب السياسة الكبير والصغير»، و«حدود الفلسفة»، و«ما يصح من أحكام النجوم»، وكتاب «الرد على عبدة الأوثان»، وكتاب «أخلاق الأمم» ... إلخ. ويعد أيضا من أكبر جغرافيي العرب، وقد ألف «صور الأقاليم»، وهو خرائط ملونة موضحة ببعض الشروح. وينسب إليه كتاب «البدء والتاريخ» المطبوع، وليس له، مات ببلخ سنة 322ه.
والثاني أبو القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي كان من بلخ أيضا، وكان معاصرا لأبي زيد وصديقا له، واشتهر بتبحره في علم الكلام، وأنه رأس من رؤوس المعتزلة، له مذهب خاص وأتباع يقال لهم الكعبية، مات سنة 317ه.
هذان العلمان نشرا في هذا الإقليم حركة فلسفية وعقلية كبيرة توجت بالفيلسوف الكبير ابن سينا درة الدولة السامانية.
وهو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولعل خير ما يمثل الحركة الفلسفية في العهد الساماني ما حكاه ابن سينا نفسه في ترجمة حياته، كما رواه عند تلميذه أبو عبيد الجوزجاني، قال ابن سينا: «إن أبي كان رجلا من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور (الساماني)، واشتغل بالتصوف وتولى العمل بقرية هناك ... ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن، ومعلم الأدب ... وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين (الفاطميين)، ويعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي، وابتدؤوا يدعونني إليه أيضا، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهيئة، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه ...
ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه ... فابتدأت بكتاب إيساغوجي على الناتلي ... وكان أي مسألة قالها لي أتورها خيرا منه ... ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي، وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب أقليدس، فقرأت من أول خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى المجسطي ... ثم فارقني الناتلي، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من النصوص والشروح من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تتفتح علي.