كما أخرجت البلاد كثيرا ممن بلغوا مبلغ الاجتهاد في الفقه مثل أبي حاتم محمد بن حبان التميمي السمرقندي، إمام كبير له تصانيف كثيرة في الحديث والجرح والتعديل، وطوف في البلاد وقال: «لعلنا أخذنا عن ألف شيخ بين الشاش والإسكندرية.» وقد ولي قضاء سمرفند، ورحل إليه الناس لأخذ العلم عنه، وإليه مرجع كثير من المحدثين في حكمه على رجال الحديث بالجرح والتعديل، مات سنة 354ه.
وأبو بكر محمد بن المنذر النيسابوري، وكان إماما مجتهدا، قال الذهبي: كان على نهاية من معرفة الحديث والأخلاق، وكان مجتهدا فلا يقلد أحدا، توفي سنة 316ه.
ثم كان بهذه الأقاليم كثير من عظماء الشافعية والحنفية.
فمن أكبر رجال الشافعية محمد علي القفال الشاشي، كان يعد إمام عصره فيما وراء النهر، وناشر مذهب الشافعية فيه، وكان يقول بالاعتزال، وله كتب في الفقه والأصول، وخرج غازيا في الحروب بين المسلمين والروم، وأخذ أسيرا إلى القسطنطينية، ثم عاد إلى بلاده، ومات بالشاش سنة 365ه.
وأبو بكر بن فورك الأصفهاني الأصل، الأصولي المتكلم، ناصر الأشعري، اضطهد بالري لكثرة الاعتزال بها، فطلبه أهل نيسابور، وبنوا له مدرسة يعلم فيها، وألف مصنفات كثيرة نحو المائة، ومات سنة 406ه بنيسابور.
وأبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي الحافظ الشافعي، رحل إلى كثير من البلاد، ثم عاد إلى بلده، وأخذ في التصنيف، وأكثر منها حتى قالوا: إنها تبلغ نحو ألف جزء، وهو أول من جمع نصوص الإمام الشافعي في عشرة مجلدات، ومن تأليفه السنن الكبير والسنن الصغير، ودلائل النبوة، ومناقب الشافعي، ومناقب ابن حنبل، وطلب إلى نيسابور لنشر العلم بها فأجاب، وتوفي بها سنة 458ه، ونسبته إلى بيهق بالقرب من نيسابور.
كما اشتهر من الحنفية الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو للحنفية في علم الكلام كالأشعري للشافعيين، كتب كتاب التوحيد، وأوهام المعتزلة، ومآخذ الشرائع في الفقه، والجدل في أصول الفقه وغير ذلك، مات سنة 333ه، والنسبة إلى ماتريد أو ماتوريد محلة بسمرقند.
ثم أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي الملقب بإمام الهدى توفي سنة 373ه.
وهذا نموذج صغير جدا لما أخرجته هذه البلاد من المحدثين والفقهاء، فحيثما قرأت في كتب المحدثين والفقهاء راعتك كثرة ما ترى منهم، ودلالة نسبتهم عليهم كالبلخي، والسرخسي ، والخوارزمي، والسمرقندي، والفارابي، والبخاري، والترمذي، والصاغاني، والأبيوردي، والقاشاني، والشاشي، والنيسابوري، والمروزي (نسبته إلى مرو والزاي زائدة كالرازي نسبة إلى الري، وبعضهم ينسبها مروروزي نسبة على مرو الروز)، والهروي نسبة إلى هراة، والفرغاني، والزمخشري، والصغدي، والبيهقي، والبستي ... إلخ.
وظهر التصوف في هذه البلاد كما ظهر في مصر، وفي العراق؛ فكان من أولهم في هذا الإقليم شقيق البلخي، قيل: إنه أول من تكلم في علم الأحوال بخراسان. كان يقول: قرأت القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين، وهو قوله تعالى:
وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ، ومات سنة 153ه.
ثم تتابع التصوف من بعده من هذه البلاد كأبي حفص عمر بن سالم الحداد النيسابوري المتوفى سنة 270ه، وأبو تراب النخشبي من متصوفة خراسان المشهورين بالعلم والفتوة والزهد، وأبو بكر محمد بن عمر الحكيم الوراق أصله من ترمذ وأقام ببلخ، وأبو عبد الله محمد بن منازل النيسابوري شيخ طريقة الملامتية مات بنيسابور سنة 329ه، وأبو العباس بن القاسم بن مهدي من أهل مرو، وهو أول من تكلم عندهم في حقائق الأحوال، مات سنة 342ه.
وكانت في هذه البلاد حركة فلسفية قوية يرجع الفضل فيها أولا إلى شخصيتين من أقوى الشخصيات، وهما: أبو زيد البلخي، وأبو القاسم الكعبي.