ثم رغبت في علم الطب ... وتعهدت المرضى، فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه ... وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة (لأرسطو)، فما كنت أفهم ما فيه، وأيست من نفسي حتى أعدت قراءته أربعين مرة، وصار لي محفوظا، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. وإذا أنا في يوم من الأيام في الوراقين، وبيد دلال مجلد، فقال لي: اشتر مني هذا فإنه رخيص ... فاشتريته بثلاثة دراهم، فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، ورجعت إلى بيتي، وأسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب؛ بسبب أنه كان محفوظا على ظهر القلب ...
وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور (الساماني)، واتفق له مرض، فاستدعيت لمشاركة الأطباء في معالجته، وتوسمت بخدمته، فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي، فدخلت دارا ذات بيوت كثيرة، في كل بيت صناديق كتب، منضدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشرع، وفي آخر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد، فطالعت فهرست كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط، وما كنت رأيته من قبل، ولا رأيته أيضا من بعد، فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه» ... إلخ إلخ.
5
وقد شاهد ابن سينا سقوط بخارى في يد أمير غزنة محمود بن سبكتكين، وسافر على الري وهمذان.
واتصل بكثير من علماء وقته كالبيروني، وأبي الخير بن الخمار، وأبي القاسم الكرماني، وأخذ اسمه وتآليفه شهرة ومكانة لم ينلها أحد غيره من فلاسفة الشرق، وظل كتابه «القانون في الطب» يدرس في الشرق وفي الغرب على عهد قريب، وكتبه الشفاء والإشارات والنجاة مرجع كل من درس الفلسفة الإسلامية، عاش ابن سينا من سنة 370ه إلى سنة 438ه.
وكان في هذا الإقليم حركة أدبية قوية من شعر ونثر فني.
ففي الشعر جروا على أساليب العراق وفارس من إكثارهم من المقطوعات في المناسبات، والتفنن في التخيل، والإغراق في المبالغة، والإمعان في التشبيه، وشجع الملوك السامانيون الحركة الأدبية، كما شجعها وزيران كبيران لهذه الدولة، فكانا صورة مصغرة لابن العميد، وابن عباد، وهما: الوزير البلعمي، وأبو عبد الله الجيهاني.
فالوزير البلعمي هو أبو الفضل محمد بن عبد الله البلعمي، أصل أجداده عرب من تميم استوطن فرعهم في بخارى وكان وزيرا لنصر بن أحمد الساماني، قال السمعاني: «وكان واحد عصره في العقل والرأي وإجلال العلم وأهله، ولقبه ابن حوقل بالشيخ الجليل، وقد قام بترجمة تاريخ الطبري إلى اللغة الفارسية.»
والجيهاني هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني؛ قال فيه ياقوت: «وكان أديبا فاضلا شهما جسورا، وكان حسن النظر لمن أمله وقصده - معينا لمن أمله واعتمده، وله تآليف، وقد استوزر أيضا لنصر بن أحمد.»
فكلاهما شجع الحركة العلمية والأدبية في بخارى، كما شجعها ابن العميد وابن عباد في الري.
وقد نبغ في الدولة السامانية من الشعراء كثيرون عدهم الثعالبي في «اليتيمة»، ونقل طرفا من أشعارهم؛ ولعل من أحقهم بالذكر محمد بن موسى الحدادي البلخي، وكان يقال: «أخرجت بلخ أربعة: أبا القاسم الكعبي في علم الكلام، وأبا زيد البلخي في البلاغة والتأليف، وسهل بن الحسن في شعر الفارسية، ومحمد بن موسى في شعر العربية.»
6
ومما امتاز به أنه كان مولعا بنقل الأمثال الفارسية إلى العربية نظما، وله في ذلك مزدوجة طويلة كقوله:
من مثل الفرس ذوي الأبصار
الثوب رهن في يد القصار •••
نال الحمار بالسقوط في الوحل
ما كان يهوى ونجا من العمل •••
البحر غمر الماء في العيان
والكلب يروى منه باللسان ... إلخ.