ورسومهم تخالف رسوم أقاليم العرب في أكثر الأشياء، فللمؤذنين سرير قدام المنبر يؤذنون عليه بتطريب وألحان، ويذكرون بلا دفاتر
2 ... وبنيسابور رسوم حسنة، منها مجالس المظالم في كل يوم أحد وأربعاء بحضرة صاحب الجيش أو وزيره، فكل من رفع قصة قدم إليه فأنصفه، وحوله القاضي والرئيس والعلماء والأشراف، ومجلس الحكم كل اثنين وخميس في مسجد «رجاء» لا ترى في الإسلام مثله.
وألسنتهم مختلفة؛ أما لسان نيسابور ففصيح مفهوم غير أنهم يكسرون أوائل الكلم، وفيه رخاوة، وأهل طوس ونسا أحسن لسانا، وفي كلام سجستان تحامل وخصومة يخرجونه من صدورهم، ويجهرون فيه، ولسان بست أحسن؛ ولسان هراة وحش، تراهم يتكلفون ويتحاملون، ولسان بلخ أحسن الألسن إلا أن لهم فيه كلمات تستقبح ... إلخ.
وبهذا الإقليم عصبيات بين الشيعة والكرامية، وبين الشافعية والحنفية، وقد يهراق في هذه العصبيات الدماء، ويدخل بينهم السلطان.
والولايات والخطبة في هذا الإقليم كله لآل سامان ... وهم من أحسن الملوك سيرة ونظرا وإجلالا للعلم وأهله؛ ومن أمثال الناس: «لو أن شجرة خرجت على آل سامان ليبست.» ألا ترى إلى عضد الدولة وتجبره وتمكنه، وكمال دولته وفتوة أمره، وخطب له باليمن وبالسند، وفتح عمان، وملك ما ملك؛ فلما تعرض لآل سامان، وطلب خراسان أهلكه الله، وشتت جمعه، وفرق جيوشه ... وهم لا يكلفون تقبيل الأرض لهم، ولهم مجالس عشيات جمع شهر رمضان للمناظرة بين يدي السلطان، فيبدأ هو فيسأل مسألة ثم يتكلمون عليها ... وميلهم إلى مذهب أبي حنيفة، وليس من رسمهم الانبساط إلى الرعية. ا.ه.
وقد أخرجت هذه البلاد ما لا يحصى من رجال الحديث والفقه، خدموا العلم خدمة كبرى بجدهم وصبرهم على البحث ورحلتهم إلى أقاصي البلدان، يأخذون العلم من أهله حيث كان؛ فعلى رأس المحدثين الإمام البخاري، وهو من بخارى، كما تدل عليه نسبته، ورحل إلى الجبال ومدن العراق، والحجاز والشام ومصر يجمع الأحاديث بالأسانيد، ويعنى بالمتن وبالسند، وبرجال الحديث وتاريخهم، ومعرفة درجة الثقة بكل منهم مع الحفظ التام، والدقة العجيبة ... يحكي عن نفسه أنه عني بحفظ الحديث وهو في العاشرة، فلما بلغ السادسة عشرة أخذ يحفظ كتب الحديث، ويتعرف رجاله، ثم خرج مع أمه وأخيه إلى مكة ورجعا هما وبقي هو يطلب الحديث من محدثي مكة والمدينة، ثم طوف في سائر البلدان، واستخلص من كل ما سمع ما صح عنده، فاستخرج صحيحه من زهاء ستمائة ألف حديث، وظل يعمل في تأليف صحيحه هذا ست عشرة سنة. وقد نشر الحديث في بقاع الأرض، فعقد مجالسه في البصرة، وبغداد، والري وخراسان، وما وراء النهر، ونيسابور، وأخذ عنه الألوف، وقد أصابته محنة خلق القرآن فكان يقول: إن القرآن غير مخلوق ولكن لفظي به مخلوق. وشنعوا عليه بذلك بعد أن عاد إلى بلاده، فأخرج من بخارى إلى خزتنك (وهي قرية من قرى سمرقند) فمات بها سنة 256ه.
كما أخرجت نياسبور مسلم بن الحجاج النيسابوري مؤلف الصحيح المنسوب إليه «صحيح مسلم» وهو كذلك رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وروى عن أهلها، وجمع الحديث واستخرج صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث، و«بعض المحدثين يفضل صحيحه على صحيح البخاري؛ لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى».
3
وكان كتابه مصدرا لحركة كبيرة في الحديث بين النيسابوريين، وانتفع به خلق كثير، ومات سنة 261ه بنيسابور، وقد ناصر البخاري في قوله في القرآن، وخاصمهما في ذلك شيخهما المحدث الكبير أيضا أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري؛ فكان يقول بأن القرآن حتى لفظنا له غير مخلوق.
ويطول بنا القول لو عددنا أسماء كبار المحدثين الذين أنجبتهم هذه البلاد؛ فالبخاري ومسلم كانا سببا في حركة الحديث قوية ظلت تعمل في هذه البلاد أجيالا، وحسبنا دلالة على كثرة من خرجتهم هذه البلاد أننا نقرأ أسماء المحدثين، فنجد الكثيرين المنسوبين إلى بلاد هذا الإقليم، وخصوصا نيسابور.