34
وقد طبع في مصر «كمال البلاغة» وهي جملة رسائل أدبية له، وهو فيها متأنق، كل كلمة فيها توزن قبل أن توضع، وكل جملة تقاس بالقياس الدقيق لتكون لفق أختها، وروحه عندي أقرب إلى روح بديع الزمان منها إلى ابن العميد وابن عباد، وله المقطعات الشعرية الرقيقة كقوله:
خطرات ذكرك تستثير صبابتي
فأحس منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو لي إلا وفيه صبابة
فكأن أعضائي خلقن قلوبا
وألف رسالة في الأسطرلاب.
وقد مات محصورا في قلعة، وحمل تابوته إلى جرجان، ودفن في مشهد عظيم كان بناه لنفسه، وذلك سنة 403ه.
| هوامش
الفصل الثالث
| خراسان وما وراء النهر
ازدهرت هذه البلاد في عهد الدولة السامانية التي حكمت من سنة 261 إلى 389ه، فمدة ملكهم 128سنة.
والملوك السامانيون أصلهم فرس من بلخ من أسرة نبيلة تنتسب إلى بهرام جور. وقد عرف المأمون منزلتهم ونبلهم فاصطنعهم، وكان رأسهم أسد بن سامان. وقد خلف أسد هذا أربعة أبناء كلهم كانوا في خدمة المأمون وحكامه في هذه البلاد؛ فكان نوح على سمرقند، وأحمد على فرغانة، ويحيى على بلاد الشاش، وإسماعيل على هراة، ثم عظم ملكهم حتى امتد من الصحراء الكبرى إلى الخليج الفارسي، ومن حدود الهند إلى العراق، وأهم ملكهم خراسان وما وراء النهر - وقد اشتهرت دولتهم بالعدل والصلاح وتشجيع العلم.
وخراسان كانت تطلق على الإقليم الواسع الذي ينقسم إلى أربعة أرباع: ربع عاصمته نيسابور، وربع عاصمته مرو، وثالث عاصمته هراة، ورابع بلخ.
ومن أشهر مدن خراسان نيسابور، وبوشنج، وبست، وسجستان، وهراة، ومرو، وسرخس، وننسا، وطوس، وأبيورد ... إلخ.
والقسم الثاني من ملك السامانيين ما وراء النهر؛ أي ما وراء النهر جيحون، وكان هذا الإقليم ينقسم إلى خمسة أقسام: (1) الصعد، وله عاصمتان: بخارى وسمرقند. (2) وإلى الغرب من الصغد خوارزم المسماة اليوم خيوه أو كيوه. (3) صغانيان. (4) فرغانة. (5) الشاش المسماة اليوم طشنقد.
ومن أشهر بلاد ما وراء النهر فرغانة، واسبيجان، والشاش، وأشروسنة، وسمرقند، وبخارى، وفاراب، وترمذ، وصغانيان وقاشان، ثم خوارزم، وفيها زمخشر والجرجانية.
والمقدسي يسمي إقليم خراسان وما وراء النهر «إقليم المشرق». وقد رحل إلى هذه البلاد في هذا العهد الساماني، ونحن ننقل بعض ما يهمنا الآن منه. قال: إنه أجل الأقاليم وأكثرها أجلة وعلماء، وهو معدن الخير ومستقر العلم وركن الإسلام المحكم وحصنه الأعظم، ملكه خير الملوك، وجنده خير الجنود، فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك. وقد قال محمد بن عبد الله لدعاته: «عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام، ومناكب وكواهل، وهامات ولحى وشوارب، وأصوات هائلة، ولغات فخمة.» وهم كانوا عدة الانقلاب والثورة على الأمويين، ونقل الخلافة إلى العباسيين.
ويقول المقدسي: قرأت في كتاب بخزانة عضد الدولة «خراسان في غذاء الهواء، وطيب الماء، وصحة التربة، وإحكام الصنعة، وتمام الخلقة، وجودة السلاح والتجارة والعلم والعفة والدراية ترس في وجه الترك»؛ وأهل خراسان أشد الناس تفقها، وبالحق تمسكا، وهم بالخير والشر أعلم، وإلى إقليم العرب ورسومهم أقرب، وإقليمهم أكثر أجلة وعقلاء، مع العلم الكثير، والحفظ العجيب، والمال المديد، والرأي الرشيد، به مرو التي قامت بها الدنيا، وبلخ وإليها المنتهى، ونيسابور فلا تنسى.
1
ثم قال: وهو أكثر الأقاليم علما وفقها، وللمذكرين به صيت عجيب، ولهم أموال جمة؛ وبه يهود كثيرة ونصارى قليلة، وأولاد علي - رضي الله عنه - فيه على غاية الرفعة، ولا ترى به هاشميا إلا غريبا، ومذاهبهم مستقيمة، غير أن الخوارج بسجستان ونواحي هراة كثيرة، وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة، وللشيعة والكرامية بها جلبة، والغلبة في الإقليم لأصحاب أبي حنيفة إلا في كورة الشاش، وطوس، ونسا، وأبيورد ... فإنهم شفعوية، ولهم جلبة بهراة وسجستان وسرخس.