وعلى الجملة فقد خدمت الدولة البويهية العلم والأدب خدمة كبرى، ومع أنهم فرس الأصل وأكثر وزرائهم كابن العميد وابن عباد من الفرس، فقد كانوا يتعصبون في العلم والأدب للسان العربي.
وكان كثير من البويهيين أدباء مثقفين ثقافة واسعة، أشهرهم في ذلك عضد الدولة؛ فكان يشارك في عدة فنون منها الأدب، وكذلك عز الدولة أبو منصور بختيار، وتاج الدولة ابن عضد الدولة، ولهم أشعار أورد بعضها الثعالبي في اليتيمة. ثم نجد ظاهرة في هذه الدولة واضحة، وهي أن أساس الاختيار للوزارة كان عماده شيئين: القدرة الإدراكية، والقدرة البلاغية، فكان الوزراء فحول أدب أيضا، فكان من أهم وزراء هذه الدولة ابن العميد، وابن عباد، والوزير المهلبي، وسابور بن أردشير، وابن سعدان، وكل من هؤلاء كان عمادا عظيما للأدب والأدباء والعلماء، وكانت لهم مجالس تموج بالعلم والأدب؛ فابن العميد وابن عباد قد رأينا أدبهما ومجالسهما ومن كان يحتف بهما من العلماء والأدباء.
والوزير المهلبي كان وزيرا لمعز الدولة وهو من نسل المهلب بن أبي صفرة، «وكان من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به، وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله»،
33
وله مجالس تروى في كتب الأدب فيها الشراب وفيها الشعر وفيها التفنن في الأناقة والترف، وحسبه فخرا أن كان من رجاله أبو الفرج الأصفهاني صاحب «الأغاني»، والقاضي التنوخي.
وابن سعدان وزير صمصام الدولة، كان له مجلس يجمع ابن زرعة الفيلسوف ومسكويه صاحب «تهذيب الأخلاق»، وأبا الوفاء المهندس الرياضي الكبير، وابن حجاج الشاعر الماجن، وأبا حيان التوحيدي، الذي كان له من السمر مع هذا الوزير ما جمعه في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، وله ألف رسالة «الصداقة والصديق»، وكان ابن سعدان يباهي بمجلسه هذا ويفخر به على مجالس الكبراء الآخرين، أمثال المهلبي وابن العميد وابن عباد، فيقول في أصحابه هؤلاء: «ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير ... وإن جميع ندماء المهلبي لا يفون بواحد منهم، وإن جميع أصحاب ابن العميد يشتهون أقل من فيهم، وإن ابن عباد ليس عنده إلا أصحاب الجدل.» ومن هذا ترى أن هؤلاء الوزراء كانوا يتنافسون في اختيار خيرة العلماء والأدباء ليكونوا حولهم، وحسبنا ما في كتاب «الإمتاع والمؤانسة»، لنعرف منه مقدار ثقافة الوزراء وما يشغلهم من مسائل العلم والأدب.
وسابور بن أردشير كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد الدولة، فكان هو نفسه أديبا شاعرا، وقصده الشعراء أمثال أبي الفرج الببغاء، وأبي إسحاق الصابي، وقد أنشأ ببغداد دار كتب قيمة، قال فيها ياقوت: «لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولها المحررة، وهذه الدار هي التي أشار إليها أبو العلاء المعري بقوله في قصيدته:
وغنت لنا في دار سابور قينة
من الورق مطراب الأصائل مهياب
ففضل البويهيين ملوكهم ووزرائهم على الحركة العلمية والأدبية لا يقدر، لولا أن ما كان بين بعضهم وبعض من خصومات وحروب قسم العلماء والأدباء كذلك، والتجأ كل فريق إلى رئيس، فكان إذا انهزم نكل الغالب بأتباع المغلوب، فلقي كثير من أهل الفضل والأدب من المصادرة والتعذيب والقتل ما يطول ذكره. •••
وكان على حدود الدولة البويهية في فارس الدولة الزيارية، أول ملوكها مردويج بن زيار، ملكت جرجان وطبرستان، وكانت في خصومة مع البويهيين، واشتهر من رجالها في خدمة الأدب أمير كان كابن العميد وابن عباد في أنه أديب كبير، ومثقف واسع الثقافة، ومشجع بمنصبه وجاهه للعلماء والأدباء، وهو الأمير قابوس بن وشمكير؛ وكان أميرا كبيرا، أبوه وشمكير وعمه مرداويج كانا ملوك الري وأصبهان قبل بني بويه، ثم كان قابوس واليا على جرجان وطبرستان، وأنفذ إليه الخليفة الطائع العهد، ولقبه شمس المعالي، وكان جبارا قويا يسرف في القتل ويتجاوز الحد ، سفاكا للدماء وخاصة في حاشيته وجنوده، فكان لا يسمع شكوى في أحد منهم إلا قتله. فملوه وعزلوه، ومع هذا كان يحب العلماء والأدباء ويشجعهم، وكان فيه فضيلة لم نسمع مثلها عن ملوك عصره وأمرائه، وهي أنه لم يكن يجيز إنشاد المدائح في وجهه وبين يديه؛ فكان يجتمع الشعراء على بابه في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأبي الليث الطبري: «وزع عليهم الهدايا بحسب رتبهم، لكني لا أستطيع سماع أكاذيبهم التي أعرف من نفسي خلافها.»