ومهما يكن؛ فقد كان ابن العميد مصدر خير على الحركة الأدبية، فكان كريما يغدق على الأدباء والشعراء، ويقترح موضوعات الأدب عليهم، وينافس بينهم، ويجزل العطاء لمن أحسن منهم، فيجتمع في مجلسه بالري أبو الحسين بن فارس، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، ويعرض في المجلس أترجة حسنة، فيعرض عليهم ابن العميد أن يتباروا في وصفها، ويشترك معهم في ذلك، وهكذا.
ويقصد المتنبي، وابن نباتة السعدي، وغيرهما من الشعراء بمدائحهم.
وينشئ مكتبة عظيمة كانت أعز شيء عليه، يجعل عليها قيما عالما كبيرا هو مسكويه.
كذلك كان الصاحب بن عباد، نصر الاعتزال، وقرب إليه المعتزلة؛ إذ كان معتزليا، ومن شعره:
تعرفت بالعدل في مذهبي
ودان بحسن جدالي العراق
فكلفت في الحب ما لم أطق
فقلت بتكليف ما لا يطاق
وكان يكتب إلى البلاد التابعة له يدعو فيها إلى الاعتزال.
هذه ناحية، وناحيته الأخرى الناحية الأدبية، وكان عرى طريقة أستاذه ابن العميد في أسلوبه، وفي كرمه وإغداقه على الأدباء، فاجتمع له من الشعراء أبو الحسن السلامي، والبديهي، وأبو سعيد الرستمي، وأبو حسن الجوهري، وابن القاشاني ... إلخ، وكذلك يقترح عليهم ما يعرض من موضوعات، فيغنم في موقعة حربية فيلا فيجمع الشعراء ويطلب إليهم أن يقولوا القصائد في وصفه على وزن وقافية عمرو بن معديكرب:
أعددت للحدثان سا
بغة وعداء علندى
فيكون من ذلك شعر كثير في الفيل، كما يقترح بعض الموضوعات الهزلية؛ فقد مات برذون أبي عيسى بن المنجم، فاقترح على الشعراء القول فيها، فكان من ذلك مجموعة سميت البرذونيات.
31
واشتهر في هذه البلاد من علماء اللغة والنحو أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي، كان إماما في اللغة، وله كتاب «المحمل»، وكتاب «حلية الفقهاء»، وله مسائل في اللغة تغايى بها الفقهاء «كألغاز»، ومنها اقتبس الحريري أسلوبه فيما وضع من المسائل الفقهية في المقامة الطيبية،
32
وأقام مدة بالري، ومدة بهمذان، وهو أستاذ بديع الزمان، ومات بالري سنة 390ه، وكان من رجالات ابن العميد. وقد وصل إلينا من كتبه كتاب «الصاحبي»، نسبة إلى الصاحب بن عباد، وهو كتاب يحتوي بحوثا قيمة في أصل اللغة العربية وخصائصها، واختلاف لغاتها باختلاف القبائل إلى غير ذلك.
كما كان من رجال البلاغة والأدب في هذا الإقليم أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، أصله من جرجان، وطوف في صباه في كثير من البلاد، واقتبس العلوم والآداب، قال فيه الثعالبي: «هو حسنة جرجان، وفرد الزمان ... يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري.» وبعد أن طوف في بلاد العراق والشام وغيرهما يأخذ من علوم أهلها نزل في ساحة الصاحب بن عباد، فقلده قضاء جرجان، ثم قضاء الري، فلم يزل قاضي الري حتى مات.
ولما أعرض الصاحب بن عباد عن المتنبي؛ لأنه أبى أن يمدحه كما مدح عضد الدولة وابن العميد، وعمل الصاحب رسالته في إظهار مساوئ المتنبي؛ ألف أبو الحسن الجرجاني هذا كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، كان فيه قاضيا عادلا، وأديبا فاضلا، وناقدا بارعا.
ومن أكبر حسنات علي بن عبد العزيز هذا تلميذه ومواطنه عبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب «دلائل الإعجاز»، و«أسرار البلاغة»، وهو مؤسس علم البلاغة في هذين الكتابين على نمط لم يعرف قبله. وقد استفاد من أستاذه علي بن عبد العزيز قوة الأسلوب وجوالته، وبصره بضروب النقد؛ قال ياقوت: «وكان «عبد القاهر» إذا ذكر أستاذه في كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء إليه.»
وكذلك كان من هذا الإقليم أبو هلال العسكري (نسبة إلى عسكر مكرم)، وهي بلد من بلاد (خوزستان) قريبة من أصفهان. وقد أخذ عنه العلم في الري حينا وفي الأهواز حينا وفي العسكر حينا، وله التآليف القيمة: ككتاب «الصناعتين»، و«ديوان المعاني». و«جمهرة الأمثال»، و«الأوائل»، و«التفضيل بين بلاغة العرب والعجم» ... إلخ، مات نحو سنة 395ه.