تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

وكانت كتبه عمدة من تعلم بعده، وكانت أكثر إقامته في الري وأقام زمنا عند السامانيين، كما عهد إليه في الإشراف على البيمارستانات وتنظيمها، وقد اشتهر بين أهل زمانه بالإتيان بالعجائب في الطب.

وقد بقي لنا من كتبه نحو سبعة عشر كتابا، وأخيرا نشر الأستاذ كراوس مجموعة رسائل فلسفية تدل على جانب آخر من جوانبه العلمية؛ فمنها رسالة في الطب الروحاني، ويعني به تهذيب الأخلاق، وهو لا شك كان من أكبر ما اعتمد عليه مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق»، وقد قال في صدره: إنه سماه بالطب الروحاني ليكون قرينا للكتاب المنصوري الذي غرضه في الطب الجسماني، وقد قسمه إلى عشرين فصلا منها فصل في فضل العقل وقمع الهوى وردعه، وتحليل لبعض الرذائل: كالحسد والغضب والبخل، وختمه بفصل في رسم السيرة الفاضلة، ثم في الخوف من الموت.

ومن رسائله هذه القيمة رسالة في اللذة وتحليلها معتمدا في ذلك على ما كتبه فلاسفة اليونان فيها.

ومن هذه الرسائل رسالة في مناظرة بين الرازيين وهما: أبو بكر الرازي هذا وأبو حاتم الرازي ، وكلاهما من الري، ولكن كانت طبيعة أبي بكر الرازي طبيعة فلسفية حرة التفكير مؤمنة بسلطان العقل، وكان أبو حاتم الرازي من كبار دعاة فرقة الإسماعيلية الشيعية، «واشتهر بدعوته إلى المذهب الفاطمي، ولعب دورا عظيما في الشؤون السياسية في طبرستان وأذربيجان وفي الديلم، ولا سيما في أصفهان والري حتى استجاب له جماعة من كبار الدولة».

وقد ألف أبو حاتم الرازي كتابا أسماه «أعلام النبوة» للرد على أبي بكر الرازي، وقد رماه فيه بالإلحاد؛ وكانت المناظرة تدور حول النبوة، وهل هي ضرورية - هذا في أحد المجالس - وفي مجلس آخر كانت المناظرة تدور حول ما ذهب إليه أبو بكر الرازي من قدم الأشياء الخمسة: الباري، والنفس، والهيولى، والمكان، والزمان، فرد عليه أبو حاتم في ذلك ... إلخ إلخ.

وقد كانت هذه المناظرات في مجالس بالري.

وعلى الجملة فقد كان أبو بكر الرازي شخصية ممتازة قل نظراؤها، وقد اختلف في سنة وفاته على أقوال متباينة أقربها سنة 320ه، وقال ابن خلكان: إنه مات سنة 311ه.

كما اشتهر من الفلاسفة في هذه البلاد أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار، وكان نصرانيا، وقد نقل كتبا كثيرة من السريانية إلى العربية، واشتهر بالطب، كما ألف في المنطق والطب والإلهيات.

ثم الفيلسوف الأديب أبو الفرج علي بن الحسين بن هندو، كان من تلاميذ ابن الخمار، ألف في الطب، وألف المدخل في علم الفلسفة، ووصل إلينا من كتبه «الكلم الروحانية»، وهي مجموعة لطيفة من الحكم اليونانية، كما كان شاعرا معدودا من رجال البلاغة الممتازين.

ثم إن ابن العميد وابن عباد أوجدا في هذا الإقليم حركة أدبية رائعة؛ فقد جمع بين وجاهة المنصب ووجاهة الأدب، فهما وزيران خطيران وسياسيان كبيران، وأديبان عظيمان، فاستخدما كل ذلك في إعلاء شأن الأدب.

فكان ابن العميد مولعا بالأدب، وله مذهب في الكتابة أخذ عنه وقلد فيه، عماده التأنق في اختيار الألفاظ، والتكلف في البديع، ومحاربة التطبع بالتصنع؛ وهذا النوع من الأسلوب قد يحسن في الجمل القصار، والقول الموجز، ولكن ابن العميد كان يطنب، والإطناب مع التصنع يستوجب الملل، فالإسهاب في الجاحظ حلو سائغ؛ لأنه يجري مع النفس، ولكنه عند ابن العميد يتجرع لأنه يتصنع؛ ومع هذا فالناس في زمنه وبعد زمنه كانوا يعدون هذا الأسلوب هو المثل الأعلى؛ لأن حياتهم الاجتماعية كما أسلفنا حياة مصطنعة متكلفة، ولأن الرياسة والعظمة السياسية والمنصب الكبير يسبغ على الأدب الذي يصدر من رجالها ثوبا من الأبهة والعظمة، فلا يستطيعون التمييز في دقة بين قيمة الأدب الذاتية، وقيمته المستمدة من وجاهة صاحبها، وهذا يصدق على ابن العميد، والصاحب ابن عباد، ثم من بعد على القاضي الفاضل، ولهذه العظمة المزدوجة قالوا: «بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد.» والناس بعد قلدوا هذا الأسلوب، وعدوه المثل الذي يحتذى.

ظهر الإسلام · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٩٣