تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأيت الملوك قاطبة

وسرت حتى رأيت مولاها

ومن مناياهم براحته

يأمرها فيهم وينهاها

أيام شجاع بفارس عضد

الدولة فناخسرو شهنشاها

أساميا لم تزده معرفة

وإنما لذة ذكرناها

ثم أنشده قصيدة نونية ذكر فيها شعب بوان، وهو موضع نزه قرب شيراز:

يقول بشعب بوان حصاني

أعن هذا يسار إلى الطعان

أبوكم آدم سن المعاصي

وعلمكم مفارقة الجنان

فقلت: إذا رأيت أبا شجاع

سلوت عن العباد وذا المكان

فإن الناس والدنيا طريق

إلى من ما له في الناس ثان

ثم مدحه بقصائد أخرى، وآخر شعره أيضا كافيته التي يقول فيها:

أروح وقد ختمت على فؤادي

بحبك أن يحل به سواكا

ومدحه غير المتنبي كثير من الشعراء.

وعضد الدولة هو الذي بنى البيمارستان العضدي ببغداد، وغرم عليه المال الكثير، وأعد له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه.

29

وابن العميد تفوق في علوم كثيرة منها الهندسة والمنطق، وعلوم الفلسفة والإلهيات والطبيعة والتصوير، وكان أديبا واسع الرواية لأشعار العرب.

قال مسكويه في كتابه «تجارب الأمم»، وكان قيم دار كتب ابن العميد في بعض وقته: «كان هذا الرجل - ابن العميد - أكتب أهل عصره، وأجمعهم لآلات الكتابة حفظا للغة والغريب، وتوسعا في النحو والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارات، وحفظا للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام ... فأما تأويل القرآن، وحفظ مشكله وتشابهه، والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار، فكان منه في أرفع درجة، وأعلى رتبة، ثم إذا ترك هذه العلوم، وأخذ في الهندسة والتعاليم لم يكن يدانيه فيها أحد، فأما المنطق، وعلوم الفلسفة والإلهيات منها خاصة، فما جسر أحد في زمانه أن يدعيها بحضرته ... ثم كان يختص بغرائب من العلوم الغامضة كعلوم الحيل - الميكانيكا - التي يحتاج إليها في أواخر علوم الهندسة والطبيعة، والحركات الغريبة، وجر الأثقال، وعمل آلات غريبة لفتح القلاع، والحيل على الحصون ... ثم معرفته بدقائق علم التصاوير، ولقد رأيته يتناول من مجلسه - الذي يخلو فيه بثقاته وأهل أنسه - التفاحة وما يجري مجراها فيعبث بها ساعة، ثم يدحرجها، وعليها صورة وجه قد خطها بظفره لو تعمد لها غيره بالآلات المعدة، وفي الأيام الكثيرة ما استوفى دقائقها، ولا تأتى له مثلها.»

وقد قصده المتنبي أيضا، ومدحه وقال فيه:

من مبلغ الأعراب أني بعدهم

شاهدت رسطاليس والإسكندرا

وسمعت بطليموس دارس كتبه

متملكا متبديا متحضرا

ولقيت كل الفاضلين كأنما

رد الإله نفوسهم والأعصرا

نسقوا لنا نسق الحساب مقدما

وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا

بأبي وأمي ناطق في لفظه

ثمن تباع به القلوب وتشترى

قطف الرجال القول وقت نباته

وقطفت أنت القول لما نورا

والصاحب بن عباد كان يعتقد مذهب الاعتزال وينصره، وبذلك اعتنق كثير من أهل هذه البلاد الاعتزال، ولم يكن كأستاذه ابن العميد في حبه للفلسفة وأهلها، إنما كان متبحرا في العلوم الشرعية واللسانية والأدبية. تعلم الحديث كأهل الحديث، وكان عالما بالتوحيد والأصول وألف فيهما، وكان علمه باللغة واسعا . قالوا: إنه ألف فيها كتاب المحيط في عشرة مجلدات.

وكان له المنزلة العظمى في الوجاهة والصدارة، فاجتمع له من الأدباء ما قل أن يجتمع لغيره، قال الثعالبي: «احتف به من نجوم الأرض وأفراد العصر وأبناء الفضل وفرسان الشعر من يربي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنه في الأخذ برقاب القوافي وملك رق المعاني.»

أنجبت هذه البلاد بتشجيع هؤلاء وأمثالهم نوابغ من العلماء والأدباء.

ففي الفلسفة كان على رأس الفلاسفة أبو بكر محمد بن زكريا الرازي - نسبة على الري - مولده ومنشؤه بالري ولذلك عددناه منها، وإن تنقل في بلاد كثيرة، وهو من أكبر فلاسفة المسلمين ومتفوقيهم في الطب النظري والعملي والإلهيات والكيمياء والأخلاق.

وقد ألف في كل ذلك كتبا كثيرة أوصلها بعضهم إلى ما يقرب من مائتين، وله فضل اكتشاف الكحول وريت الزاج - حامض الكبريتيك - أثناء بحثه في إمكان تحويل المعادن إلى ذهب؛ كما ألف في الطب كتاب الحاوي والطب المنصوري ... إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٩٢