وقد نص المؤلف على أنه ألف كتابه هذا سنة 377ه، وفي الكتاب ذكر لعلماء ماتوا بعد الأربعمائة كابن نباتة التميمي، فلا بد أن بعض العلماء زادوا في نسخته؛ لأنه مات سنة 385ه كما ذكر ابن النجار، أو سنة 378ه كما ذكر المرزباني.
28
فإذا نحن انتقلنا من العراق إلى الجزء الجنوبي من فارس، وهو الجزء الذي حكمه البويهيون أيضا، وجدنا ثروة كبيرة في العلم في جميع فروعه، وفي الأدب والشعر؛ فشيراز في الجنوب والري في الشمال، كانا من أهم العواصم السياسية والعلمية والأدبية، واشتهر من بلاد الجنوب سيراف، وفيروزاباد، وأرزنجان، وإصطخر، وعاصمتها شيراز، كما اشتهر من بلاد الشمال وهي بلاد الجبل أصبهان ونهاوند، وهمذان، ودينور، وقومس، وبسطام وعاصمتها الري، وأخرجت هذه البلاد من المحدثين والفقهاء والنحاة والفلاسفة والصوفية والأدباء ما لا يحصى كثرة.
فاشتهر من المحدثين والفقهاء أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي الرازي - نسبة إلى دولاب قرية بالري - له تآليف في الحديث والتاريخ اعتمد عليها المحدثون، وتوفي سنة 320ه.
وأبو محمد عبد الله بن حيان الأصفهاني محدث أصفهان، وهو إمام في الحديث، له كتاب «السنة وفضائل الأعمال»، توفي سنة 367ه.
وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصفهاني، كان يلقب بمحدث الشرق؛ توفي سنة 395ه.
وأبو محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الحنظلي حافظ الري له المصنفات الكثيرة في الحديث والفقه، توفي سنة 327ه.
والقاضي يوسف بن أحمد بن كج الدينوري أحد أئمة الشافعية، قدم إليه أبو علي السنجي بعد أن رأى أبا حامد الإسفرائيني في بغداد؛ فقال له أبو علي: إن الاسم لأبي حامد، والعلم لك. فقال له: ذاك رفعته بغداد وحطتني الدينور. قتل بها سنة 405ه.
ويطول بنا القول لو عددنا مشاهير المحدثين والفقهاء في هذا الإقليم، ثم كان لعضد الدولة قبل انتقاله إلى بغداد، وابن العميد في إقامته بالري وزيرا، وابن عباد كاتبا ووزيرا في أصفهان والري - أثر كبير في نشاط الحركة الأدبية والعلمية نشاطا عجيبا.
لقد تقسم الأمراء الثلاثة البويهيون مملكتهم: فكان عماد الدولة صاحب بلاد فارس والأهواز، وركن الدولة صاحب بلاد الري والجبل، ومعز الدولة صاحب العراق. وجاء عضد الدولة بن ركن الدولة فضم العراق إلى ملكه، كما ضم إليه ملك البويهيين جميعا تقريبا، وضم إليه الموصل وبلاد الجزيرة وسمي بالملك، وهو أول من سمي بذلك في الإسلام، وكان يقيم أحيانا في الري، وأحيانا في شيراز، فلما فتح العراق كانت عاصمة ملكه بغداد.
وابن العميد كان وزيرا لركن الدولة صاحب بلاد الري والجبل، وكان ابن العميد مركزه الري، واستمر وزيرا نحو اثنتين وثلاثين سنة حتى مات سنة 360ه.
وابن عباد كان كاتبا عند ابن العميد، ولأجل تلمذته لابن العميد وصحبته له سمي الصاحب، وظل الصاحب يكتب لابن العميد في الري، ثم اختاره ابن العميد ليكون مربيا لمؤيد الدولة ابن ركن الدولة وولي عهده، وكانت إقامته في أصفهان، ثم أصبح وزيرا لمؤيد الدولة إلى سنة 373ه، ثم وزيرا لأخيه فخر الدولة إلى أن توفي سنة 385ه، وخلف ابن العميد في مركزه في الوزارة وفي إقامته في الري.
فهؤلاء الأعلام الثلاثة: عضد الدولة البويهي، والوزيران ابن العميد، وابن عباد، جعلوا هذا القسم من فارس في منتهى الخصب العلمي والأدبي؛ إذ كان كل منهم على إمارته أو وزارته عالما أديبا، يرى أول ما يجب عليه أن يزين بلاطه ومجلسه بالعلماء والأدباء.
فعضد الدولة كان إلى ملكه الواسع مثقفا ثقافة واسعة، يأخذ علم النحو واللغة عن أبي علي الفارسي، وهذا يؤلف له كتاب «الإيضاح والتكملة في النحو»، وله معه مناقشات طريفة، ويقصده الشعراء فيجيدون الشعر لمعرفتهم بتذوقه له، فقصده المتنبي أيام كان عضد الدولة بشيراز، وقال فيه: