وكتب إليه ابن حنزابة الوزير المصري كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل، سأله فيه عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث.
وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان كتابا يخاطبه فيه بالشيخ الفرد، سأله عن سبعين مسألة في القرآن، ومائة كلمة في العربية ، وثلاثمائة بيت من الشعر، وأربعين مسألة في الأحكام، وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين، فأجاب عنها كلها، وتقع الأسئلة والأجوبة في نحو ألف وخمسمائة ورقة.
ثم هو صاحب المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين أبي بشر متى في المفاضلة بين النحو والمنطق، وقد حكاها كلها أبو حيان التوحيدي في الجزء الأول من الإمتاع، وقد وصل إلينا من كتبه كتاب أخبار النحويين البصريين.
وكان نظير أبي سعيد السيرافي وقرينه في النحو والصرف أبو علي الفارسي وهو من أعلام الدولة البويهية، ولد بفارس وأتى بغداد سنة 307ه، وأقام بها يشتغل بالعلم، ثم رحل إلى حلب وأقام عند سيف الدولة في حلبته، وله مع المتنبي مناظرات، ثم انتقل إلى فارس وصحب عضد الدولة وعلت منزلته عنده، وألف أبو علي له كتاب الإيضاح والتكملة في النحو، وله كتاب الحجة في القراءات، ومنه نسخة مخطوطة في دار الكتب، وله كتب أخرى كثيرة، وقد رحل إلى بلاد كثيرة، وكان يدون في كتاب ما يجري له من مناظرات في كل بلد، فكتاب المسائل الحلبيات، والبغداديات، والشيرازيات ... إلخ.
وقد وازن أبو حيان التوحيدي بينه وبين أستاذه أبي سعيد السيرافي، ففضل السيرافي لسعة علمه ودينه وتقواه، وقال: إن أبا علي كان يشرب ويتخالع ويفارق هدي أهل العلم.
وفي الحق أن السيرافي كان أشبه بالمحافظين، يروي ما يسمع، ويحفظ ما يروي على كثرة ما يروى وما يحفظ في ثقة وأمانة، وأن أبا علي كان حرا مبتكرا قياسا، فتح للناس هو وتلميذه ابن جني أبوابا جديدة في النحو والتصريف لم يسبقا إليها كما تقدم، وقد توفي أبو علي الفارسي في بغداد سنة 377ه.
وثالث الثلاثة المشهورين في هذا الباب أبو الحسن الرماني جمع بين النبوغ في النحو وعلم الكلام، وهو تلميذ ابن دريد أيضا في الأدب، وقد قال فيه أبو حيان عند الموازنة: إنه عالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض، والمنطق، وعيب به، إلا أنه لم يسلك طريق واضع المنطق، بل أفراد صناعة وأظهر براعة. وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا ، هذا مع الدين والعقل الرزين، توفي سنة 384ه.
ومن خير ما أخرجته بغداد في هذا العصر ابن النديم - وهو محمد بن إسحاق النديم - كان وراقا، وكان عالما، فاستخدم علمه وصناعته في ناحية لم نعرف أن التفت إليها أحد قبله، وهي أن يحصي جميع الكتب العربية المنقولة من الأمم المختلفة، والمؤلفة في جميع أنواع العلوم، ويصفها ويبين مترجميها أو مؤلفيها، ويذكر طرفا من تاريخ حياتهم، ويعين تاريخ وفاتهم؛ فكان الكتاب على هذا النمط أجمع كتاب لإحصاء ما ألف الناس إلى قريب من نهاية القرن الرابع، وأشمل وثيقة تبين ما وصل إليه المسلمون في حياتهم العقلية والعلمية في ذلك العصر، وأكثر هذه الكتب التي وصفها قد ضاعت بتوالي النكبات المختلفة على المملكة الإسلامية، ولا سيما في غزو التتار لبغداد، ولولا كتاب «الفهرست» لضاعت أسماؤها وأوصافها أيضا كما ضاعت معالمها.
والناظر في كتاب «الفهرست» يعجب لهذا النشاط العلمي الذي قام به المسلمون في هذه العصور، وكثرة المؤلفين والمترجمين في جميع نواحي العلم، كما يعجب بسعة اطلاع ابن النديم وحبه للوقوف على كل شيء حتى في أدق مسائل الأديان المختلفة، والمذاهب المتنوعة، ويستقصي البحث عن أحوال الصين والهند، كما يستقصي البحث عن الشام والعراق، وهو في كل ذلك يقابل أصحاب النحل المختلفة، ويسائلهم ويدقق في أخبارهم، ثم يدون ما يصل إليه علمه.
وأسلوبه في كتابته أسلوب موجز يكره اللغو والمقدمات، ويحب أن يهجم على موضوعه من غير مواربة ولا تمهيد، حتى لا تستطيع أن تحذف جملة؛ لأن معناها مكرر أو عباراتها مترادفة، ثم هو يتحرى الصدق، ويميز بين ما رأى وما لم ير، وينقل ذلك إلى القارئ في أمانة.