وقد اتصل بالوزير المهلبي، وحظى عنده، وألف كتبا كثيرة منها كتاب «الأغاني» وهو أمتعها وقد قال إنه ألفه في خمسين سنة، وكتاب «القيان»، «ومقاتل الطالبيين»، و«الإماء الشواعر»، و«الديارات» ... إلخ، ومات في بغداد سنة 356ه أو بعد ذلك.
وقد حظي كتابه «الأغاني» في عصره وبعده إلى اليوم؛ فقد أهدى أول نسخة منه إلى سيف الدولة فأجازه بألف دينار، وأعجب به الصاحب بن عباد، وكان يستصحبه في أسفاره، وقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف: «لم يكن كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره.»
كما كان من كبار رجال الأدب القاضي التنوخي، وهو أبو القاسم علي بن محمد التنوخي من أعيان أهل العلم والأدب، تولى قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وكان على فقهه أدبيا وشاعرا ظريفا، وكان من ندماء الوزير المهلبي وسماره، «وكان الوزير المهلبي وغيره من رؤساء العراق يميلون إليه، ويتعصبون له، ويعدونه ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء، وكان في جملة الفقهاء والقضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة» ... إلخ،
26
وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة معتزليا له شعر كثير، ومنه مقصورة عارض بها مقصورة ابن دريد، ومات بالبصرة سنة 342ه.
وقد أنجب ابنه أبا علي المحسن التنوخي، وكان أدبيا شاعرا أخباريا؛ وهو صاحب كتاب «نشوار المحاضرة»، أراد به أن يحقق فكرة لطيفة وهي أن يدون تاريخ الأحداث التي تدور في المجالس وعلى ألسنة الرواة ولم تدون في الكتب، كما أنه ألف كتاب «الفرج بعد الشدة» وكتاب «المستجاد من فعلات الأجواد»، وقد مات ببغداد سنة 384ه.
وقد أنجب هذا أيضا أبا القاسم علي بن المحسن التنوخي، وكان مثل أبيه وجده فقيها شاعرا أديبا؛ وكان هو والخطيب التبريزي يصبحان أبا العلاء المعري ويأخذان عنه، تولى علي بن المحسن القضاء في عدة نواح، وإليه كتب أبو العلاء قصيدته التي أولها:
هات الحديث عن الزوراء أو هيتا
مات سنة 447ه.
فأسرة التنوخي من خير الأسر العراقية علما وأدبا وتأليفا.
ثم الشريف المرتضى علي بن الطاهر، كان نقيب الطالبيين في بغداد، وهو أخو الشريف الرضي، وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر، وقد وصل إلينا من أهم تآليفه كتاب «أمالي المرتضى»، وهو ستة وخمسون مجلسا، مملوء بالفوائد القيمة في التفسير والحديث وعلم الكلام والأدب ممزوج بعضها ببعض، ناح فيه منحى الاعتزال والتشيع معا، ويستطرد لذكر تراجم لرجال المعتزلة وبعض الشعراء والأدباء؛ ويظهر أنها دروس أملاها على بعض تلاميذه، وهي تفيدنا فائدة كبرى في مناهج الدروس في ذلك العصر.
وقد توفي ببغداد سنة 436ه.
ثم أبو سعيد السيرافي، وكان من أوسع العلماء ثقافة في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر.
كان أبوه مجوسيا فأسلم وكان أبو سعيد هذا من أعلم الناس بالعربية مع زهد وصلاح وعفة، وصنف تصانيف كثيرة أكبرها شرح كتاب سيبويه، وكثر تلاميذه والأخذ منه والانتفاع به في فروع العلم المختلفة، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال، «وكان بينه وبين أبي الفرج الأصفهاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس»،
27
ومات ببغداد سنة 368ه، وتتلمذ له أبو حيان التوحيدي وهو يحكي عنه في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» بعض علمه في اللغة والنحو، ويروي ما يرويه عنه في إجلال وتوثيق.
وقد كان أبو سعيد وهو في بغداد مقصد الأمراء والعظماء في الأمصار المختلفة يبعثون إليه يسألونه عما أشكل عليهم، فكتب إليه نوح بن نصر الساماني سنة 340ه كتابا خاطبه فيه بالإمام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة أغلبها ألفاظ لغوية، وأمثال يسأله فيها عن صحة نسبتها إلى العرب، وكتب إليه الوزير البلعمي كتابا خاطبه فيها بإمام المسلمين سأله فيه عن مسائل في القرآن، وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ الإسلام سأله فيه عن مائة وعشرين مسألة أكثرها في القرآن والحديث.