أراد الفتح بن خاقان والجاحظ أن ينشرا عقيدة الوحدة بين الجنود وتناسي الأجناس، ولكن أنى لهما ذلك، والدين نفسه لم يستطع أن يمحو هذه العصبية، وعمل الأتراك أنفسهم باستبدادهم وطغيانهم يحيي العصبية ويجعلها وسيلة للدفاع عن النفس، بل وطريقة الجاحظ التي سلكها في مناقب الأتراك من شأنها أن تقوي العصبية لا أن تضعفها؟!
كان طبيعيا أن يزداد نفوذ الأتراك بقتلهم المتوكل وتنصيبهم المنتصر. وقد حكى الطبري «أن المنتصر عزم على أن يغزي وصيفا التركي؛ الثغر الشامي، فقال أحمد بن الخصيب للمنتصر: «ومن يجترئ على الموالي - الأتراك - حتى تأمر وصيفا بالشخوص؟!»»
21
وأمر الأتراك المنتصر أن يخلع أخويه المعتز والمؤيد من الخلافة خوفا أن ينتقما - إذا وليا - من قتلة المتوكل، وكان لذلك كارها، فدعاهما المنتصر، والأتراك وقوف وقال: «أترياني خلعتكما طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأن يليها بنو أبي أحب إلي من أن يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي؛ يريد الأتراك - ألحوا علي في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما.»
22
فلما مات المنتصر بعد خلافته بستة أشهر، وقبل أن يستخلف خليفة بعده، استحلف القواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن يرضى به بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش، وجميعهم أتراك، وهؤلاء قد اختاروا أحمد بن محمد المعتصم، ولقبوه المستعين فبايعه سائر الناس.
ضايق الأتراك المستعين بعد ذلك، وضايقوا الناس حتى ضج وضجوا، ودبروا المؤامرات لاغتياله، فهرب من سامرا إلى بغداد، فذهبوا إليه يعتذرون، فقال لهم: «أنتم أهل بغي وفساد واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إلي في أولادكم فألحقتهم بكم، وهو نحو من ألفي غلام؟! وفي بناتكم، فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحو أربعة آلاف امرأة؟! وفي المدركين والمولودين، وكل هذا قد أجبتكم إليه، وأدررت لكم الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها؛ كل ذلك إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغيا وفسادا، وتهددا وإبعادا.»
23
وهاج أهل بغداد «لما بلغهم مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني، وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديدا بأسهما، عظيما غناؤهما عنهم، في الثغور التي هما بها، وقرب مقتل أحدهما من مقتل الآخر، مع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتل المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء، واستخلافهم من أحبوا استخلافه، من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر للمسلمين، فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير».
24
هذا إلى أن الأتراك أنفسهم انشق بعضهم على بعضهم، وتكونوا أحزابا: هذا حزب داغر، وهذا حزب بغا ووصيف ... إلخ، وقتلوا داغرا، وحارب بعضهم بعضا.
فلما لم يذعن لهم المستعين، بايعوا المعتز بالله، وانضم إليه أغلب الأتراك، وكان مركزه سامرا؛ وظل أهل بغداد على ولائهم للمستعين وبيعتهم له، ومعه ابن طاهر الفارسي الأصل وقليل من الأتراك، وكانت سنة شديدة على الناس عذبوا فيها عذابا شديدا من السلب والنهب والقتال.
وكان من حسن حظ الترك أن غلبوا أخيرا، ودخلوا بغداد منتصرين، وخلعوا المستعين ثم قتلوه، فكانت هذه خطوة أخرى في سبيل سيادة الأتراك، وفي ذلك يقول رجل من أهل سامرا - وقيل إنها للبحتري:
لله در عصابة تركية
ردوا نوائب دهرهم بالسيف
قتلوا الخليفة أحمد بن محمد
وكسوا جميع الناس ثوب الخوف
وطغوا فأصبح ملكنا متقسما
وإمامنا فيه شبيه الضيف
ومع هذا سرعان ما ضيقوا على المعتز، وشعر منهم بالشر، فكان لا يلتذ بالنوم، ولا يخلع سلاحه لا في ليل ولا في نهار خوفا من بغا، وقال: «لا أزال على هذه الحالة حتى أعلم لبغا رأسي أو رأسه لي.» وكان يقول: «إني لأخاف أن ينزل علي بغا من السماء أو يخرج علي من الأرض.»