25
ومن ناحية أخرى عزم المعتز على قتل رؤسائهم، وأعمل الحيلة في فنائهم، فخلعوه وقتلوه.
وقد أكثر الشعراء في ذلك العصر من وصف ما أصاب البلاد من سوء الحال، وتحكم الأتراك في الخلفاء، وما عم الناس من الفوضى والاضطراب، فقال في ذلك بعض شعراء العصر في مقتل المعتز:
بكر الترك ناقمين عليه
خلعته، أفديه من مخلوع
قتلوه ظلما وجورا فألفو
ه كريم الأخلاق غير جزوع
لم يهابوا جيشا ولا رهبوا السي
ف فلهفي على القتيل الخليع
أصبح الترك مالكي الأمر، والعا
لم ما بين سامع ومطيع
ونرى الله فيهم مالك الأم
ر سيجزيهم بقتل ذريع
وقال آخر:
قتلوه ظلما وجورا وغدرا
حين أهدوا إليه حتفا مريحا
نضر الله ذلك الوجه وجها
وسقى الله ذلك الروح روحا
أيها الترك تلقون للدهر
سيوفا لا تستبل الجريحا
فاستعدوا للسيف عاقبة الأم
ر فقد جئتم فعالا قبيحا
وقال آخر:
ألزموه ذنبا على غير جرم
فثوى فيهم قتيلا صريعا
وبنو عمه وعم أبيه
أظهروا ذلة وأبدوا خضوعا
ما بهذا يصح ملك ولا يغ
زى عدو ولا يكون جميعا
ويقول: عبد الله بن المعتز في أرجوزته التاريخية المشهورة:
وكل يوم ملك مقتول
أو خائف مروع ذليل
أو خالع للعقد كيما يغنى
وذاك أدنى للردى وأدنى
وكم أمير كان رأس جيش
قد نغصوا عليه كل عيش
وكم فتاة خرجت من منزل
فغصبوها نفسها في المحفل •••
ويطلبون كل يوم رزقا
يرونه دينا لهم وحقا
كذاك حتى أفقروا الخلافة
وعودوها الرعب والمخافة
شعر الناس بسوء الحالة العامة من سلطة الأتراك، وحاولوا التخلص من سلطانهم، وقويت هذه الفكرة عند الخليفة المهتدي، وقد كان شجاعا قويا، مثله الأعلى عمر بن الخطاب؛ فظن أنه يستطيع القضاء على سلطة الأتراك، وأن الشعب يؤيده، ولكنه لم ينجح.
لقد أكثر الترك من مصادرة الناس في أموالهم، وكان من مصائب الرجل أن يكون غنيا؛ صادروا الكتاب وصادروا الأمراء الكبار، وأخيرا صادروا زوجة المتوكل وهي أم المعتز بعد أن قتلوا ابنها، وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافورا، وكان لها أموال كثيرة، وهربت على مكة، وسمعت وهي تدعو بصوت عال تقول: اللهم أخز صالحا
26
كما هتك ستري، وقتل ولدي، وشتت شملي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي وركب الفاحشة مني.
27
دبر الأتراك مؤامرة لقتل المهتدي؛ لأنه لم يعجبهم في نزعته. وانتشر الخبر في العامة أنهم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به، وأنهم قد أرهقوه، فكتب العامة الرقاع ورموها في الطرق والمساجد مكتوبا فيها: «يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره الله على عدوه، ويكفيه مؤنة ظالمه، ويتم النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه.»
ولما وصل خبر المؤامرة إلى المهتدي تحول من مجلسه متقلدا سيفا، وقد لبس ثيابا نظافا وتطيب، ثم أمر بإدخال هؤلاء الأتراك المتآمرين عليه، فقال لهم: «بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط، وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، والله لئن سقطت مني شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم، أما دين! أما حياء! أما رعية! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله، سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا عنكم دعا بإرطال الشراب فشربها مسرورا بمكروهكم وحبا لبواركم، خبروني عنكم هل تعلمون أنه وصل إلي من دنياكم هذه شيء؟ أما أنك تعلم يا بايكباك أن بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي؟! تعرف ذلك فانظر هل ترى في منازلهم فرشا، أو وصائف أو خدما أو جواري أو لهم ضياغ أو غلات؟ سوأة لكم!»
28
ولكن ماذا يغني إشهار سيفه، والتهديد خطبته، وقد أراد أن يضرب الأتراك بعضهم ببعض حتى يخلص منهم جميعا، ولكنه لم ينجح في هذا أيضا، ودارت الدائرة عليه فقتلوه.