تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال البنوي: إنا أصلنا خرساني وهو مخرج الدولة، ومطلع الدعوة، ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر، من الصبر تحت ظلال السيوف القصار، والرماح الطوال، ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا وانقطاع الصفائح، ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الخبرة، مع حسن القد، وجودة الخرط، ثم لنا الخط والكتابة، والفقه والرواية، ولنا بغداد بأسرها تسكن ما سكنا وتتحرك ما تحركنا؛ ونحن تربية الخلفاء وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، أخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم.

فأخذ الجاحظ بعد يشيد بفضل الترك، فيزعم أن كل الأجناد يرجعون إلى شيء واحد كما قال «الفتح»؛ فالبنوي خراساني، والخراساني مولي، والمولي عربي بالولاء، والأتراك خراسانية (أي بحكم القرب والجوار)، فصار البنوي والخرساني والمولي والعربي والتركي شيئا واحدا، فصار فضل التركي إلى الجميع راجعا، وصار شرفهم زائدا في شرفهم، ورجا أنه إذا عرف سائر الأجناد ذلك تسامحت النفوس، ومات الضغن وانقطع سبب الاستثقال.

بدأ الجاحظ دفاعه عن الأتراك بحكاية قصها عن قوم أيام المأمون تذاكروا أي الاثنين أشجع: الخارجي أم التركي؟ وكان الخوارج معروفين بين الناس إذ ذاك بأنهم أشجع جند وأصبر الناس على قتال، وانتهى من هذه القصة بنتيجة هي أن التركي أشجع من الخارجي؛ لأن الخوارج عرفوا بعشر مزايا في القتال، والتركي يفضلهم فيها جميعا؛ لأنه أثبت عزما حتى لقد عود برذونه ألا ينثني، وهو أصدق رماية؛ فالتركي يرمي الوحش والطير والناس في سرعة وإصابة، والخوارج إذا ولوا فقد ولوا، ولكن التركي إذا ولى فهو السم الناقع؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب بسهمه وهو مقبل.

والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه ولسلاحه ولدابته، والتركي هو الراعي وهو السائس، وهو الرائض وهو النخاس وهو البيطار، وهو الفارس، وهو أصبر على السير وعلى الصعود في ذرى الجبال، والتركي في بلاده لا يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا على ملك، ولا على خراج، ولا على عداوة، ولا على وطن، وإنما يقاتل على السلب، فكيف إذا انضم إلى ذلك غضب أو تدين، أو عرض له بعض ما يصحب القاتل من العلل والأسباب، والأتراك قوم وضع بنيتهم على الحركة وليس للسكون فيهم نصيب، وهم أصحاب توقد واشتعال وفطنة، وهم يرون الاكتفاء بالقليل عجزا، وطول المقام بلادة، والراحة غفلة، والقناعة من قصر الهمة.

ويقول بعد: إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين في الصناعات، واليونان في الحكم والآداب، والفرس في الملك والسياسة؛ والعرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا أطباء ولا حسابا، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل والموازين، ولم يحتملوا ذلا قط فيميت قلوبهم، ويصغر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فياف، وتربية عراء، فوجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة، وتصريف الكلام، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، والبصر بالخيل والسلاح، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس ، وإحكام شأن المناقب والمثالب ومزية الأتراك في الحروب، وهم كذلك أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب العجم، كما أن هذيلا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغزو والغارة والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد، لذتهم في الحرب، وهي فخرهم وحديثهم وسمرهم، وقد اتصفوا بالصفات التي تستتبع النجدة والفروسية، من الكرم وبعد الهمة وطلب الغاية، والحزم والعزم والصبر.

وبذلك انتهت رسالته الطويلة التي أوجزناها إيجازا تاما.

ومنها نستدل على أن العصبية في هذا العصر كانت شديدة قوية؛ كل عنصر يعدد مزاياه، ويدل بها على من سواه؛ فعربي يفخر بلسانه وسيفه، وفارسي يفخر بسياسته وملكه ... إلخ؛ وأن الأتراك كانت مزيتهم حسن القتال وما يستتبعه من صفات، فلم يفخروا بعلم ولا سياسة ولا بسابقة دين ولا شيء من ذلك، فلما كان هذا شأنهم في قوة القتال، غلبوا على كل سلطان.

ظهر الإسلام · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٨