تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما السلامي فهو حلو الكلام، متسق النظام، كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفي السرقة، لطيف الأخذ، واسع المذهب، لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب، وعبث بالروح، وبرد على الكبد.

وأما الحاتمي،

19

فغليظ اللفظ، كثير العقد، يحب أن يكون بدويا قحا، وهو لم يتم حضريا، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر على تشابه بينهما في الجفوة، وقلة السلاسة.

وأما ابن جلبات

20

فمجنون الشعر، متفاوت اللفظ، قليل البديع، واسع الحيلة كثير الزوق، التزويق، قصير الرشاء، كثير الغثاء.

وأما الخالع

21

فأديب الشعر، صحيح النحت، كثير البديع، مستوي الطريقة، متشابه الصناعة، بعيد من طفرة المتحير، قريب من فرصة المتخير.

وأما مسكويه

22

فلطيف اللفظ رطب الأطراف، رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل السكب، بطيء السبك، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التوقي، ضعيف الترقي، يرد أكثر مما يصدر، ويتطاول جهده ثم يقصر.»

23

كما كان من أكبر شعراء هذا العصر في بغداد الشريف الرضي، وقد تقدم القول فيه.

واشتهر من شعراء البصرة في هذا العصر البويهي ابن لنكك البصري، وقد رأى غيره من الشعراء ينفق سوقه وهو خامل، مع أدبه وظرفه، فأكثر من ذم الدهر، وشكوى الزمان، وهجاء من نجح من الشعراء، وهو في المقطوعات القصيرة أجود منه في القصائد الطويلة.

ونبغ في العهد البويهي أربعة من كبار الكتاب، اثنان في الجزء الفارسي الجنوبي، وهما، ابن العميد، والصاحب بن عباد، وسيأتي الكلام فيهما، واثنان في العراق، وهما: أبو إسحاق الصابي، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف.

فأما الصابي فهو إبراهيم بن هلال الحراني الصابي، صاحب الرسائل المشهورة المطبوعة، كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة البويهي، وتقلد ديوان الرسائل سنة 349ه، وقد ظل محافظا على دينه الوثني، رغم ما خوطب ومني ووعد بالوزارة إذا هو أسلم، في ملاطفة للمسلمين ومجاراتهم والاحتفال بشعائرهم، فكان يصوم رمضان، ويحفظ القرآن كان مع صابئيته محبوبا من عظماء المسلمين، مقربا إليهم، مبجلا موقرا كالصاحب ابن عباد، والزير المهلبي، وقد حكى ياقوت عنه أنه قال: «راسلت المتنبي في أن يمدحني بقصيدتين وأعطيه خمسة آلاف درهم، ووسطت بيني وبينه رجلا من وجوه التجار، فقال المتنبي للوسيط: قل له والله ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، ولكن إن مدحتك تنكر لك الوزير - يعني الوزير المهلبي - وتغير عليك؛ لأني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذه الحال فأنا أجيبك إلى ما التمست وما أريد عن شعري عوضا.»

وقد كان الصابي يناصر عز الدولة على عضد الدولة، فلما انتصر عضد الدولة وقتل عز الدولة قبض على الصابي وحبسه وأراد إلقاءه تحت أرجل الفيلة، فتشفعوا له فشفع، ولكن لم يزل في نفسه منه، وأمره عضد الدولة أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة البويهية، فعمل له الكتاب «التاجي»، وقد وشى بعض الناس إلى عضد الدولة أن الصابي سئل وهو يكتب هذا التاريخ: ماذا تصنع؟ فقال: «أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها.» فقبض عليه، وحبس أربع سنين، ثم خرج وقد ساء حاله، ومات ببغداد سنة 384ه عن إحدى وسبعين سنة.

وقد كان يعد من أعظم كتاب عصره، وأسلوبه - كما تدل عليه رسائله - فقرات متساوية، مسجوعة أحيانا، مزدوجة أحيانا، وقد وصفه ابن الأثير أنه إمام الكتاب في عصره، وأنه يجيد في الكتابة الرسمية - السلطانيات - ويقصر في الإخوانيات، وأخذ عليه تكراره في معنى واحد كقوله: «لا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها.»

ولما مات رثاه الشعراء، ومنهم الشريف الرضي في قصيدته المشهورة:

أرأيت من حملوا على الأعواد

أرأيت كيف خبا ضياء النادي

يقول فيها:

ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيا

أنى ومثلك معوز الميلاد

من للممالك لا يزال يلمها

ظهر الإسلام · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٨٧