كما اشتهر نظيف القسي الرومي، وكان خبيرا باللغات، ينقل من اليوناني إلى العربي، واستخدمه عضد الدولة البويهي في البيمارستان الذي أنشأه ببغداد، قال أبو حيان: «إن نظيفا كانت يده في الطب أطول، ولسانه في المجالس أجول، ومعه وفق وحذق في الجدل.»
وغير هؤلاء كثيرون عنوا بالفلسفة في بغداد كابن السمح، وأبي بكر القوسي، وابن الخمار، وأبي الوفاء البزجاني الرياضي المشهور، قال فيه ابن خلكان: إنه أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها، قدم العراق سنة 348ه، ومات به سنة 387ه.
ومن هذه الطبقة أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، كان خازنا لكتب عضد الدولة، واختص من الفلسفة بالناحية الخلقية، فألف تهذيب الأخلاق، كما ألف في التاريخ كتابه تجارب الأمم جرى فيه على نسق خاص، وهو الاهتمام بمواضع العبرة في الأحداث التاريخية، والتعليق عليها تعليق الحكيم المجرب.
وظهر بالبصرة في القرن الرابع للهجرة جماعة إخوان الصفا، وكان منهم - كما حدث أبو حيان التوحيدي - زيد بن رفاعة، وأبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وغيرهم، «وكانت هذه الجماعة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وأفردوا لها فهرستا وسموها رسائل إخوان الصفا، وكتموا فيها أسماءهم، وبثوها في الوراقين ورهبوها للناس».
18
وعلى الجملة فقد كانت الحركة الفلسفية في العراق من أرقى الحركات الفلسفية في المملكة الإسلامية.
وقد نبغ في العراق في ذلك العصر كثير من الشعراء والأدباء، من أشهرهم في بغداد ابن نباتة السعدي مداح الملوك والرؤساء والوزراء، مدح سيف الدولة في حلب كما تقدم، ومدح عضد الدولة والوزير المهلبي في العراق، وابن العميد في الري؛ وله مقطوعات كثيرة في الغزل وشكوى الزمان، وأكثر من الوصف وأجاد، فوصف كماة الحرب وأسرى الروم، والفرس، والمغنى، والسكين، وطيب الهواء، وخوالج نفسه ... إلخ. وقد جمع شعره بين الرقة والسهولة وحسن السبك، ومات سنة 405ه ببغداد.
ثم أبو الحسن السلامي نسبة على دار السلام، شاعر عربي الأصل من بني مخزوم، ولد في كرخ بغداد، مدح الصاحب بن عباد بأصفهان، وابن العميد في الري، وعضد الدولة بشيراز، وسلك مسلك أبي نواس في التشبيب بالغلمان، وجرى على سنة عصره في الإكثار من المقطوعات، ووصف ما يعرض من الأشياء، وقد وصف شعب بوان وصفا لم يستطع الوصول فيه إلى ما وصل له المتنبي في وصفه، ويفحش أحيانا فيفرط في الفحش، ويهجو فيقذع في الهجاء، على عادة كثير من شعراء هذا العصر.
ثم ابن سكرة، وابن حجاج، وقد سبق طرف من الكلام عليهما.
وقد وصف أبو حيان التوحيدي بعض المشهورين من الشعراء في وقته ببغداد، فكان مما قال: «إن ابن نباتة شاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلا حاسد أو جاهل أو معاند، قد لحق عصابة سيف الدولة وعدا معهم ووراءهم، حسن الحذو على مثال سكان البادية، لطيف الائتمام بهم، خفي المغاص في واديهم، ظاهر الإطلال على ناديهم، هذا مع شعبة من الجنون وطائف من الوسواس.
وأما ابن حجاج فسخيف الطريقة، بعيد عن المجد، قريع في الهزل، ليس للعقل من شعره منال، ولا له في قرضه مثال، على أنه قويم اللفظ، سهل الكلام ... وهو شريك ابن سكرة في هذه الغرامة - الخسارة - وإذا جد أقعى، وإذا هزل حكى الأفعى.