فكان بيته مدرسة تنشط فيها الحركات الفكرية، وتثار فيه أعقد المسائل أحيانا ارتجالا، وأحيانا بقراءة رتيبة؛ فقد درس في بيته - مثلا - كتاب النفس لأرسطو وحضره عليه أبو حيان التوحيدي.
ويطلعنا أبو حيان التوحيدي في كتابه «المقابسات» و«الإمتاع والمؤانسة» على محاضر لهذه الجلسات وغيرها مما كان يدور بين العلماء في بغداد، فيدلنا على نشاط ذهني فلسفي عجيب، وحرية في التفكير عظيمة، وثروة في رجال الفكر والنشاط العقلي كبيرة، فيروي لنا - مثلا - مناظرة كبرى بين أبي سعيد السيرافي النحوي وبين متى بن يونس القنائي في المنطق اليوناني والنحو العربي سنة 320ه، وكانت في بغداد، واحتشد لهذه المناظرة كثير من العلماء ورسول للإخشيديين بمصر ورسول للسامانيين، وكان أساس المناظرة أن متى يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين؛ إلا بالمنطق حسبما رسمه أرسطو. وكان أبو سعيد يرى أن هذه الأمور تعرف بالعقل الفطري من غير حاجة إلى المنطق، وليس علم المنطق إلا أشكالا، فهب أن الأشكال صحيحة فبم تعرف جوهر الأشياء وحقيقتها؟ أليس من طريق العقل؟! وتحورت المناقشة بعد ذلك إلى مسائل فرعية لا نطيل بها، كدعوى أنه لا حاجة بالمنطقي إلى النحو، وبالنحوي حاجة إلى المنطق ... إلخ.
ويحكي مجلسا عند الوزير ابن سعدان حضره جماعة من متفلسفة النصارى جرى فيه البحث في الإصلاح الخلقي وتقسيمه إلى سهل وعسير كالإصلاح البدني.
ومحضر جلسة أخرى عند عيسى بن علي بن عيسى الوزير في السبب الذي من أجله يولع كل ذي علم بعلمه.
ومناظرة بين ماني المجوسي وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري في النفس بعد الموت هل تبقى أو لا تبقى.
ومناقشة في أن معرفة الله هل هي ضرورية أم استدلالية، إلى أكثر من أمثال ذلك مما يدل على جو مملوء بالأفكار الفلسفية، وميل عقلي إلى فلسفة الأشياء والعمق في التفكير فيها.
واشتهر بالطب والفلسفة في بغداد ابن بطلان وهو أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون النصراني، وهو الذي كان له المساجلات الطويلة المفيدة مع ابن رضوان المصري، فلما طالت سافر على مصر لزيارة منافسه سنة 439ه وعرج على حلب، ثم وصل مصر سنة 441ه وأقام بها ثلاث سنين، ثم عاد إلى بغداد، وقد تقدم طرف مما كانت تدور حوله المناظرة عند ترجمة ابن رضوان، وقد وصل إلينا من كتبه كتاب شراء العبيد وكتاب دعوة الأطباء، وقد صنف أيضا في تقويم الصحة، وكيفية دخول الغذاء في البدن وهضمه، والمدخل إلى الطب ... إلخ.
وكان من أشهر المشتغلين بالفلسفة في بغداد يحيى بن عدي النصراني، وكان رئيس المناطقة في زمانه، أخذ العلم عن بشر بن متى وعن الفارابي، وكان كثير الإنتاج بما ينقل من السريانية إلى العربية وبما يؤلف وبما ينسخ، وقد عمر إحدى وثمانين سنة كان فيها حركة دائبة، ألف مقالات كثيرة في المنطق وفي الإلهيات، ومات ببغداد سنة 364ه، وصفه أبو حيان التوحيدي بأنه «كان شيخا لين العريكة، مشوه الترجمة رديء العبارة، وكان مبارك المجلس، وكان ينبهر في الإلهيات ويضل فيها».
وممن اشتهر بالفلسفة أيضا أبو علي بن زرعة النصراني، اشتهر بالمنطق وعلوم الفلسفة، والنقل إلى العربية، اختصر كتاب أرسطو في المعمور من الأرض، وألف كتاب أغراض كتب أرسطو المنطقية، ومقالة في العقل ... إلخ. مات ببغداد سنة 398ه، وقد فضله أبو حيان على يحيى بن عدي فقال: «إنه كان حسن الترجمة صحيح النقل، كثير الرجوع إلى الكتب، محمود النقل إلى العربية ... ولولا توزع فكره في التجارة ومحبته في الربح وحرصه على الجمع لكانت قريحته تستجيب له.» وهو يشير على أنه كان مفتونا بالتجارة مع القسطنطينية فاغتنى، ولكن صودرت أمواله ووقع في محن حتى أصيب بالفالج.