تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن تلاميذ الجنيد أبو منصور الحلاج الذي نقلت عنه مقالات في الحلول أفتى فيها العلماء بإباحة دمه، فقتل ببغداد سنة 309ه.

وأخذ المتصوفة يضعون الكتب في التصوف محاذاة لكتب الفقهاء، ومن أشهر هذه الكتب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، أصله من إقليم الجبل وسكن مكة فنسب إليها، وأقام ببغداد مدة وبالبصرة مدة، وشطح في كلامه، وقد مات ببغداد سنة 386ه.

وكان طبيعيا أن يثور الخلاف بين الفقهاء والمتصوفة لاختلاف النزعتين، فالمتصوف يعتمد على القلب وعلى الذوق وعلى المعرفة من طريق الإلهام وعلى الباطن، والفقهاء يعتمدون على ظاهر القرآن والسنة، وعلى الاستنباط منهما من طريق المنطق والعقل، وليس عندهم باطن ولا حقيقة وراء ظاهر النصوص وفهم معانيها، والصوفي يعنى بالروح والنفس، والفقيه يعني بالجانب الظاهري والعملي، والصوفي روحاني نفساني، والفقيه قانوني، والصوفي يعنى بالحب الإلهي، ولا يعنيه كثيرا أمر الثواب والعقاب، والفقيه يعني بأداء العبادات، ويعتمد كثيرا على الثواب والعقاب ... إلخ.

فلا عجب إذن إذا اصطدمت الطائفتان، ولا عجب إن كان أكبر اصطدام لهما في العراق إذ كانت الموطن الأكبر للمتصوفة، وخصوصا في البصرة حيث كانت منزل الهنود القادمين إلى العراق، وبغداد حيث تلتقي الثقافات.

وكانت الخصومة أشد ما يكون بين الحنابلة والصوفية لشدة تمسك الحنابلة بظاهر النصوص، ولأثر أحمد بن حنبل نفسه في ذلك، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي الصوفي كلامه في التصوف حتى اختفى المحاسبي، ولما مات لم يحضر جنازته إلا أربعة، وعاب عليه ابن حنبل وتلاميذه كلامه في الخواطر والوساوس، وقال إن هذه بدعة، ورمى الحنابلة الصوفية بالزندقة وأثاروا الناس عليهم، وكان من أشهر الحوادث في ذلك المحنة المعروفة بمحنة «غلام الخليل»، وكان ذلك سنة 262ه، إذ جاء «غلام الخليل»، وكان حنبليا معروفا بالحديث والفقه والوعظ، وقد وصفه أبو داود السجستاني بأنه دجال بغداد ، واتهم الصوفية بالزندقة، وشغب عليهم العامة، وسعى عند الخليفة، وعند والدة الموفق، فأمر بالقبض على عدد كبير من الصوفية بلغوا نيفا وسبعين، وانتهت المحنة بقتل بعضهم، وهرب بعضهم وتبرئة بعضهم.

ثم كانت فتنة الحلاج الكبرى فاتهم بالكفر ودعوى الألوهية، ورصدت فتوى من محمد بن داود الظاهري بتكفيره سنه 297ه، ثم قبض عليه وحوكم؛ وصدرت الفتوى بإباحة دمه من أبي عمر بن يوسف الأزدي وأبي الحسين بن الأشناني، ووقع الخليفة بموته، فقتل الحلاج وصلب وقطعت أطرافه، وأحرق سنة 309ه.

فنرى من هذا شدة ما كان بين الصوفية والفقهاء في العراق من نزاع.

ونشطت حركة الفلسفة والنقل في العراق في العهد البويهي نشاطا كبيرا، فكان من أكبر فلاسفة بغداد أبو سليمان المنطقي محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، شيخ رجال الفكر في بغداد، وقد وصفه تلميذه أبو حيان بأنه «أدق العلماء نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز».

17

وكان مجلسه في بيته مدرسة فكرية تثار فيها أدق المسائل، ويدلي فيها كبار العلماء بآرائهم، ولأبي سليمان الكلمة الأخيرة فيما يعرضون.

فيجتمع عنده أمثال أبي زكريا الصيمري، وأبي حيان التوحيدي، والنوشجاني والقومسي، وغلام زحل، ويتجادلون - مثلا - في هل هناك تأثير للنجوم في الحوادث الأرضية، وفي أفعال الله هل هي ضرورة أو اختيار، وفي السماع والغناء. ولم يؤثران في النفس، والعلاقة بين المنطق والنحو، ونعيم أهل الجنة وكيف يكون، والفرق بين طريقة المتكلمين والفلاسفة، والحظوظ والأرزاق، والدهر وحقيقته.

ظهر الإسلام · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٨٤