تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستمر المعتزلة في العراق يعلمون ويدرسون ويدعون، وقد اشتهر منهم أئمة عظماء كأبي علي الجبائي الذي مر ذكره، ثم تلميذه في الاعتزال محمد بن عمر الصيمري، ثم قاضي القضاة عبد الجبال، كان أشعريا ثم تحول إلى الاعتزال ونبغ فيه، قالوا: «وهو أول من فتق علم الكلام ونشر بروده، ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب، وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله، وطال عمره مواظبا على التدريس والإملاء - ببغداد - حتى طبق الأرض بكتبه وأصحابه، وبعد صوته، وإليه انتهت الرياسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه ومسائله، واستدعاه الصاحب بن عباد إلى الري سنة 360ه فبقي فيها مواظبا على التدريس إلى أن توفي سنة 415ه أو سنة 416ه.»

16

وهو الذي يلقبه المعتزلة بقاضي القضاة.

وهكذا ظلت حركة الاعتزال في العراق يناهضها الأشاعرة وغيرهم، ويؤسسون بذلك علم الكلام ويوسعونه.

كما نمت الحركة الفقهية في العراق نموا كبيرا، وظهر كثير من المجتهدين وكبار أتباع المذاهب المختلفة.

فكان من المجتهدين داود الظاهري الأصفهاني الأصل البغدادي الدار، وقد أسس مذهبا عماده إنكار القياس، وأن في الكتاب والسنة من العمومات ما يفي بمعرفة الواجبات والمحرمات، وتقديم ظواهر آيات القرآن والحديث على التعليل العقلي للأحكام، وقد كثر أتباع هذا المذهب في العراق وفارس والأندلس، وقد انقرضوا بعد المائة الخامسة، وقد مات داود صاحب المذهب سنة 270ه ببغداد، ونشر مذهبه بعده ابنه محمد المتوفى سنة 297ه.

ثم من أشهر الأئمة المجتهدين محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، ومن أعلم الناس بفقه المذاهب المختلفة، وألف في اختلاف الفقهاء، وكان من أكثر العلماء تأليفا، وكان مجتهدا في مذهبه لم يقلد أحدا، توفي سنة 310ه ببغداد، وكان له أتباع على مذهبه انقطعوا بعد المائة الرابعة.

وقد نبغ في هذا العصر كثير من علماء المذاهب المختلفة كذلك.

فاشتهر من الحنفية في العراق أبو الحسن عبيد الله الكرخي رئيس الحنفية في العراق في عصره، توفي سنة 340ه، وقد أصابه الفالج، فكتب أصحابه إلى سيف الدولة الحمداني يستمنحونه ما ينفق عليه، فلما علم الكرخي بذلك بكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني. ومات قبل أن تصل إليه صلة سيف الدولة.

وكان من أكبر تلاميذ الكرخي هذا أبو بكر الجصاص البغدادي رأس المذهب بعد الكرخي، وألف الكتب الكثيرة على مذهب أبي حنيفة، مات سنة 370ه، وقد وصل إلينا من تآليفه كتابه العظيم المطبوع، «أحكام القرآن».

ثم أبو الحسين القدوري رئيس الحنفية في العراق في زمنه، وقد ألف كتبا وصل إلينا بعضها منها المختصر، وكان يناظر الإسفرائيني الفقيه الشافعي المشهور، مات سنة 428ه.

واشتهر من فقهاء المالكية العراقيين أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن حماد، تفقه عليه أهل العراق من المالكية، وألف الكتب الكثيرة في الفقه المالكي وعلوم القرآن وكان من نظراء المبرد في النحو، وولي قضاء بغداد، وعنه انتشر مذهب مالك في العراق، وأقام على القضاء نيفا وخمسين سنة، «وكان بيت آل حماد أشهر بيت في العراق؛ لكثرة رجاله المشهورين بالعلم والثراء، أئمة الفقه ومشيخة الحديث، رؤساء نبهاء أصحاب سنة وهدي ودين، روى عنهم علماء انتشروا في أقطار الأرض، فانتشر ذكرهم في المشرق والمغرب، وبقي العلم في بيتهم نحو مائة عام»، مات إسماعيل بن حماد هذا سنة 282ه.

ثم أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي المشهور بابن القصار، كتب كتاب مسائل الخلاف المشهور عند المالكية، وقد تولى أيضا قضاء بغداد، ومات سنة 398ه.

واشتهر من رجال الشافعية، أبو علي الكرابيسي البغدادي، رئيس الشافعية ببغداد، المتوفى سنة 245ه، وأبو علي الزعفراني البغدادي المتوفى سنة 260ه، وأبو علي الحسن بن القاسم الطبري البغدادي، له كتاب المحرر في النظر، وهو من أوائل الكتب في الخلاف بين الفقهاء، وله كتاب الإفصاح في الفقه، وكتاب في الأصول، وكتاب في الجدل، توفي سنة 305ه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٨٢