إنما نستطيع أن نقول: إنهم مع فارسيتهم شجعوا الأدب العربي، واللسان العربي، والعلوم العربية، وكان ممن نبغ من العلماء والأدباء والفلاسفة في عهدهم من يعد بحق فخر المملكة الإسلامية في العصور المختلفة.
وقد كانت هناك مدن كثيرة في هذا الإقليم أثناء هذا العهد وقبله تميزت بقوة الحركات العلمية والأدبية مثل بغداد والبصرة والكوفة في العراق، والري وأصبهان في فارس.
وقد زار المقدسي هذه البلاد كلها في العهد البويهي، وملخص ما قال من الناحية العلمية: «إن إقليم العراق إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء، لطيف الماء عجيب الهواء، مختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القراء، ومنه كان أبو عبيدة والفراء، وحمزة والكسائي، وكل فقيه ومقرئ وأديب، وسري وحكيم وداه وزاهد ونجيب، وظريف ولبيب - أليس به البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة في الورى، والكوفة الجليلة وسامرا.»
1 «والكوفة قصبة جليلة حسنة البناء جليلة الأسواق كثيرة الخيرات ... وهو بلد مختل قد خرب أطرافه، وكان نظير بغداد.»
2 «والبصرة قصبة سرية ... والبلد أعجب إلي من بغداد لرفعتها، وكثرة الصالحين بها، وكنت بمجلس جمع فقهاء بغداد ومشايخها، فتذاكروا بغداد والبصرة فتفرقوا على أنه إذا جمعت عمارات بغداد، وأندر خراجها لم تكن أكبر من البصرة.»
3 «وبغداد - لأهلها - الخصائص والظرافة، والقرائح واللطافة، هواء رقيق، وعلم دقيق، كل جيد بها، وكل حسن فيها، وكل حاذق ممنها، وكل قلب إليها، وكل حرب عليها، وهي أشهر من أن توصف، وأحسن من أن تنعت، وأعلى من أن تمدح.»
4
ولكنه في موضع آخر قال: «واعلم أن بغداد كانت جليلة في القديم، وقد تداعت الآن للخراب، واختلت وذهب بهاؤها، ولم أستطبها، ولا أعجبت بها، وإن مدحناها فللمتعارف؛ وفسطاط مصر اليوم كبغداد، ولا أعلم في الإسلام بلدا أجل منه.»
5
والعراق «كثيرة الفقهاء والقراء والأدباء والأئمة والملوك، بخاصة بغداد والبصرة ... وبه مجوس كثيرة، وذمته نصارى ويهود ... وقد حصل به عدة من المذاهب، والغلبة ببغداد للحنابلة والشيعة، وبه مالكية وأشعرية ومعتزلة ونجارية، وبالكوفة الشيعة إلا الكناسة فإنه سنة ... وبالبصرة مجالس وعوام السالمية، وهم قوم يدعون الكلام والزهد، وسالم كان غلام سهل بن عبد الله التستري الصوفي ... وأكثر أهل البصرة قدرية وشيعة، وثم حنابلة وببغداد غالية يفرطون في حب معاوية، ومشبهة ... والقراءات السبع مستعملة في العراق ... ولغاتهم مختلفة أصحها الكوفية لقربهم من البادية، وبعدهم عن النبط، ثم هي بعد ذلك خشنة وفاسدة بخاصة في بغداد، وأما البطائح فنبط لا لسان ولا عقل».
6 «وتقع عصبيات وحشة بالبصرة بين الربعيين وهم شيعة، وبين السعديين وهم سنة، ويدخل فيها أهل الرساتيق، وقل بلد إلا وبه عصبيات على غير المذاهب.» «وأما القسم من إيران الذي يحكمه البويهيون فقسمه الشمالي كان يسمى بلاد الجبال، وأهم مدنه أربع: كرمنشاه - وكانت تسمى في ذلك العهد قرمسين - والري، وهمذان، وأصفهان - وسمي هذا الإقليم في العهد السجلوقي بالعراق العجمي - وكانت عاصمة هذا العهد البويهي هي «الري»، قال الإصطخري: «و«الري» مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها.» وقال الأصمعي: «الري عروس الدنيا وإليه متجر الناس، وهو أحد بلدان الأرض.» والنسبة إليها رازي. وقد خرجت كثيرا من العلماء المعروفين بهذه النسبة كما سيجيء، وموقعها على بعد أميال من طهران، ومحلها الآن خرائب، ولما وصف المقدسي هذا الإقليم في العهد البويهي قال: «إن به الري الجليلة، وهمذان، والكورة النفسية أصبهان.»
7 «فأما الري فإنها كورة نزيهة كثيرة المياه، جليلة القرى، حسنة الفواكه، واسعة الأرض، خطيرة الرساتيق