وقوله:
قالت وقد نالها للبين أوجعه
والبين صعب على الأحباب موقعه
أجعل يديك على قلبي فقد ضعفت
قواه عن حمل ما فيه وأضلعه
كأنني يوم ولت حسرة وأسى
غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه
وله الأوزان الشعرية الظريفة كقوله:
دم العشاق مطلول
ودين الحب ممطول
وسيف اللحظ مسلول
ومبدي الحب معذول
وإن لم يصغ للائم
وأحور ساحر الطرف
يفوق جوامع الوصف
مليح الدل والظرف
جنت ألحاظه حتفي
فمن يعدي على الظالم؟
يعنفني على حبي
ويهجرني بلا ذنب
كأني لست بالصب
لقهوة ريقه العذب
أما في الحب من راحم؟ ... إلخ.
وقد مات سنة 374ه في خلافة أخيه، ولم يعمر طويلا؛ إذ كان عمره يوم وفاته نحوا من سبع وثلاثين سنة، وهذه سنة القلب المحترق.
44
وأما العقيلي، فهو أبو الحسن علي بن الحسن بن حيدرة العقيلي، كان في المائة الخامسة، وكان من الأشراف، وكان له متنزهات بجزيرة الفسطاط، ولم يغن لخليفة أو أمير، بل غنى لنفسه في حبه ومتنزهاته، وكان يعد من أئمة المدرسة التي تعنى بالتشبيه وتجيده، أمثال ذي الرمة أولا، وابن المعتز أخيرا، ثم سلك مسلك أبي نواس في الخمر وتوليد المغاني منها، وأولع بالطبيعة الجميلة يستجليها ويستمتع بها، كقوله:
الروض في ديباجة خضراء
والجو في فرجية دكناء
والأرض قد نظم الربيع لجيدها
عقدا من الصفراء والحمراء
والراح ينثر في مذاب عقيقها
درر الفواقع جوهري الماء
فاقصد رضا رضوانها بالشرب إن
أحببت سكنى جنة السراء
وقوله في وصف صديق:
ظللني بظله الظليل
أخ نداه واضح السبيل
يسير في المجد بلا دليل
مهذب الجملة والتفصيل
أخلاقه تنضح بالجميل
كأنه عافية العليل •••
لأحسن من مصافحة الصفاح
ومن وقع الرماح على الرماح
بقاع ترقص الأمواج فيها
على النغمات من رمي الرماح
وأغصان يذهبها بهار
وغيطان يفضضها أقاح
وإن جنح الشباب إلى التصابي
فخل عنانه طوع الجماح
فصبح العيش سوف يعود ليلا
إذا ما الليل نغص بالصباح
45
أتطمع بعد شيبك في سرور
محال أن تطير بلا جناح
46
ثم ما بقي لنا من النثر الفني الفاطمي ولو كان قليلا، كبعض الكتب الرسمية التي ذكرها القلقشندي في «صبح الأعشى»، ورسالة ابن القارح لأبي العلاء - وقد عاش ابن القارح في زمن الحاكم - ورد عليها أبو العلاء ب «رسالة الغفران»، وكرسالة داعي الدعاة إلى أبي العلاء، وجداله معه في ذبح الحيوان، إلى غير ذلك من رسائل منثورة هنا وهناك، كل هذا على قلته يدل على تقدم النثر الفني، وميله إلى الزينة من سجع وبديع واقتباس، مما هو ظل لحياة الترف في قصور الخلفاء، كما يدل على تأثر بسعة الثفافة التي عظمت في هذا العصر.
| هوامش
الفصل الثاني
| العراق وجنوبي فارس
ظلت هذه البلاد محكومة بالخلفاء اسما، وبسلطة الأتراك فعلا، من عهد المتوكل إلى أن جاءت البويهية الفارسية فبسطت نفوذها على جنوبي فارس والعراق من سنة 321ه إلى سنة 447ه، ولما تغلبوا على بغداد لم يكن للخليفة العباسي معهم إلا الاسم، والدعاء له على المنابر، وكتابة اسمه على سكة الدراهم والدنانير. وأما جباية الأموال وتجييش الجيوش وأمور الدولة كلها ففي أيديهم، قد جعلوا للخليفة مرتبا ثم تصرفوا كل مالية الدولة، وكان لقبهم «أمير الأمراء» لقبهم به الخلفاء، وقد كان البويهيون شيعة، وقد فكر معز الدولة البويهي عندما فتح بغداد أن يعزل الخليفة وهو سني، ويقيم مكانه أحد الأئمة العلويين، كما فعل الفاطميون، وكان ذلك هينا عليه، ولكن نصحه بعض خاصته ألا يفعل، وقال: «ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله قتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، فأعرض عن رأيه، وأقام المطيع لله خليفة بدل المستكفي المخلوع.»
وقد كانوا فرسا متشيعين يقولون إنهم من نسل ملوك فارس، وقد تقسموا العراق وجنوبي فارس فيما بينهم، وامتد نفوذ بعضهم أحيانا، وانكمش نفوذ بعضهم، فمنهم من حكم العراق والأهواز وكرمان، ومنهم من حكم كرمان وحدها، ومنهم من حكم فارس وحدها، ومنهم من حكم الري وهمذان وأصفهان، ومنهم من مد سلطانه على ذلك جميعا كعضد الدولة، وكان بين بعضهم وبعض خصومات ومنازعات ليس هنا موضع شرحها.