ويظهر أنه أعاد كتابتها من جديد على ضوء ما كان من عظمة الترك، وقدمها للفتح بن خاقان وزير المتوكل، وكل قوم من الجند في ذلك العصر كان لهم أدباء وعلماء ومتحدثون، يتكلمون في مناقب قومهم وميزتهم عن غيرهم. أما الأتراك فلم يكن لهم شيء من ذلك، فتعاون الفتح بن خاقان والجاحظ على أن يسدا هذا النقص، ويبينا مناقب الترك؛ فكتب الجاحظ رسالته في ذلك وحكى فيها بعض أقوال الفتح. وقد استعمل الجاحظ عقله وقلمه وفلسفته في إعلاء شأن الترك؛ تقربا لذوي النفوذ، وإظهارا لمزيته البلاغية، بقطع النظر عن كونه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد.
والرسالة قيمة جدا من ناحية حكاية ما كان يجول بخاطر الجند على اختلاف أنواعهم ونوع عصبيتهم. ويقول فيها إنه لا يريد أن يذكر مناقب الأتراك ويتبعه بمعايب غيرهم، بل يكتفي بذكر المناقب قصدا إلى الألفة وتوحيد القلوب، ولكنه بسط مناقب الترك وبالغ في إعلاء شأنهم، وأسبغ عليهم، بقلمه السيال وأسلوبه الواسع؛ عظمة وأبهة تكفيان في إشعار القارئ أن الترك أعظم جند، وأشجع قوم؛ فهو بهذا الأسلوب الماكر رفع من شأن الترك، ووضع من غيرهم تحت ستار الدعوة إلى الألفة.
حكى في صدر الرسالة حكاية الفتح بن خاقان من أنه سمع رجلا يقسم الجند في عهد المتوكل إلى أقسام: خراساني، وتركي، ومولي، وعربي، وبنوي.
20
فاعترض عليه الفتح وأبى هذا التقسيم، ودعا إلى أن ينظر إلى الجند كوحدة لا كأجناس، وأن هذا الجند مع اختلاف أجناسه متقارب الأنساب، فالخراساني والتركي متقاربان في الشبه والصقع، وأن القرب بينهما أكثر مما بين العدنانيين والقحطانيين مع أن كلهم عرب، وأن البنويين خراسانيون؛ لأن نسب الأبناء نسب الآباء، وأن الموالي أشبه بالعرب وأقرب إليهم، وهو عرب في المدعى وفي العاقلة وفي الراية، وقد جاء: «مولى القوم منهم»، و«الولاء كلحمة النسب»، وأن الأتراك صاروا من العرب لهذا المعنى؛ لأن الأتراك موالي الخلفاء، فهم موالي لباب قريش. وحكي عن الفتح، أن هذه الأجناس بهذا المعنى يجب أن يكونوا متوازرين متكاتفين محبين للخلفاء ... إلخ إلخ.
وهو كلام جيد نظريا، ولم يكن واقعا عمليا، فالدعوة الجنسية كانت بالغة أشدها، والعداوة بينهم متغلغلة في أعماق صدورهم.
ثم حكى الجاحظ عن «الفتح» أن هذا القائل ذكر مناقب لكل جنس من الجنود وألغى ذكر الأتراك، فذكر أن الخراسانيين يفخرون ويقولون: إنا دعاة الدولة العباسية ونحن النقباء والنجباء وأبناء النجباء، وبنا زال ملك بني أمية، ونحن الذين تحملوا العذاب وبضعوا بالسيوف الحداد، ندين بالطاعة ونقتل فيها، ونموت عليها؛ ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وسواعد طوال ، وأبداننا أحمل للسلاح، ونحن أكثر مادة ونحن أكثر عددا وعدة، ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت أنا لم نخلق إلا لقلب الدول وطاعة الخلفاء وتأييد السلطان؛ ونحن أرباب النهى وأهل الحلم والحجى؛ وأهل النجابة في الرأي، والبعد من الطيش، وليس في الأرض صناعة عراقية ولا حجازية، من أدب وحكمة، وحساب وهندسة وارتفاع بناء، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء وبذت فيها العلماء ... إلخ إلخ.
والعرب يفخرون بالأنساب وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وبالكلام المنثور والقول المأثور وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم - قالوا - ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف والتحاكم إلى كل حكم مقنع، وكاهن شجاع، ونحن أصحاب التعاير بالمثالب والتفاخر بالمناقب، نقاتل رغبة لا رهبة. ثم ردوا على الخراسانيين بأن أكثر النقباء في الدعوة العباسية كانوا من العرب ... إلخ.
وفخر الموالي بأنهم موضع الثقة عند الشدة، وأن شرف السادة راجع إليهم، إذ هم منهم، ثم لهم الطاعة والخدمة والإخلاص وحسن النية - قالوا - ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهم، وهم بنا آنس، وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحن، ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف ... إلخ.