تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أعلمت حين تجاور الحيان

أن القلوب مواقد النيران

ومثل المهذب الموصلي، وعمارة اليمني.

ويصح أن نلاحظ أن هذا الشعر الذي قيل في مديح الفاطميين شعر فرح مغتبط؛ إذ كان الشيعة لأول أمرهم قد نجحوا في تأسيس دولة ضخمة، وتبوءوا فيها كرسي الخلافة بعد أن طال أمدهم في اضطهاد وتعذيب على يد الأمويين والعباسيين، فكان شعر شعرائهم حزينا آسفا كشعر السيد الحميري، والكميت ودعبل الخزاعي.

ثم شعر تعليمي في الدعوة، وقد بدأه ابن هانئ الأندلسي في بعض شعره، وقد عرضنا قبل نماذج منه، وبلغ قمته المؤيد الشيرازي داعي الدعاة، فأكثر من الشعر في هذا الباب وأفاض، وله ديوان في ذلك، منه في تأييد علم الباطن.

ورب معنى ضمه كلام

كمثل نور ضمه ظلام

باق بقاء الحب في السنابل

في معقل من أحرز المعاقل

وإنما باب المعاني مقفل

وأكثر الأنام عنه غفل

مفتاحه أضحى بأيدي خزنه

بهم إلهي علمه قد خزنه

كما يلوذ الخلق طرا بهم

خصوا لهذا العلم من ربهمو

فما أبو حنيفة والشافعي - حيث هم قد نفقوا - بنافع

أولئك الأبرار آل المصطفى

ومن بهم مروة عزت والصفا

هم البدور والنجوم اللمع

وللهدى وللعلوم المنبع

هم الثقات والنفاة للشبه

والمنقذون الناس من كل عمه

لهم سمعنا ولهم أطعنا

فبدلونا بعد خوف أمنا

فما علينا مشكل بمشكل

بهم كفينا كل خط معضل

وأرشدونا سبل الصواب

وعلمونا علم ذا الكتاب

مبرأ من هجنه التناقض

مسلما من خوض كل خائض

وهكذا كل ديوانه في الدعوة وما إليها.

43

ثم شعر هو أرقى أنواع الشعر وأصدقه، ينبع من مشاعر الشاعر، ويتدفق في رقة وسلاسة، وكان على رأس الشعراء من هذا النوع شاعران فاطميان: تميم بن المعز، والعقيلي.

فأما تميم، فهو ابن الخليفة المعز فاتح مصر؛ ولم يل الخلافة لأن المعز جعل ولاية عهده لابنه العزيز نزار دون تميم، فحرم الخلافة، ولكنه تبوأ عرش الأدب فكان شاعرا ماهرا لطيفا ظريفا، يشعر بخلجات نفسه، ونبضات قلبه، ولم تر مصر شاعرا من هذا القبيل قبله مثله، يصف حياته اللاهية من حبه وعشقه وليالي غرامه ونحو ذلك في قول عذب، وفي أعماقه شعور بالحزن؛ إما لطبيعة مزاجه ورقة جسمه، أو لخروج الخلافة من يده وهو يرى أنه أولى بالفضل، أو لأنه عذبه الحب فأضناه، أو لكل ذلك مجتمعا، فمن قوله:

أما والذي لا يملك الأمر غيره

ومن هو بالسر المكتم أعلم

لئن كان كتمان المصائب مؤلما

لإعلانها عندي أشد وآلم

وبي كل ما يبكي العيون أقله

وإن كنت منه دائما أتبسم

وتميم بن المعز أشبه شيء بابن المعتز في قرابة الكنية، والنشأة في بيت الملك، وقوة الشاعرية، وسوء الحظ في دنيا المناصب، وإن تخالفا في أن ابن المعتز سني عباسي يدعو للعباسيين ويرد على الشيعة، فيرد عليه ابن المعز في مثل قوله وعلى روي قصيدته. يقول ابن المعتز في الإشادة بالعباسيين ورد دعوة الشيعة قصيدة مطلعها:

أي رسم لآل هند ودار

درسا غير ملعب ومنار

يقول فيها:

هاشمي إذا نسبت ومخصو

ص ببيت من هاشم، غير عار

أخزن الغيظ في قلوب الأعادي

وأحل الجبار دار الصغار

أنا جيش إذا غدوت وحيدا

ووحيد في الجحفل الجرار ... إلخ.

فيرد تميم بن المعز بقصيدته:

يا بني هاشم ولسنا سواء

في صغار من العلا وكبار

إن نكن ننتمى لجد فإنا

قد سبقناكمو لكل فخار

ليس عباسكم كمثل علي

هل تقاس النجوم بالأقمار؟! ... إلخ.

ولكن دعنا من هذا، فمزية تميم الكبرى في رقة شعره، وصدق شعوره وسلاسته، فكان في ذلك أستاذ البهاء زهير بعده، كقوله:

يا دهر ما أقساك من متلون

في حالتيك وما أقلك منصفا

أتروح للنكس الجهول ممهدا

وعلى اللبيب الحر سيفا مرهفا

فإذا صفوت كدرت شيمة باخل

وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا

لا أرتضيك وإن صفوت لأنني

أدري بأنك لا تدوم على الصفا

زمن إذا أعطى استرد عطاءه

وإذا استقر بدا له فتحرفا

ما قام خيرك يا زمان بشره

أولى بنا ما قل منك وما كفى

ظهر الإسلام · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٧٨