تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول مؤيدا لهذه التعاليم:

إذا كان أمن يشمل الأرض كلها

فلا بد فيها من دليل مقدم

ويقول:

لولاك لم يكن التفكر واعظا

والعقل رشدا والقياس دليلا

لو لم تكن سكن البلاد تضعضعت

وتزايلت أركانها تزييلا

وهكذا يؤسس في شعره الدعوة، ونظرية الإمامة وعصمة الأئمة، وعلم الإمام بالحقائق، وأنه مظهر نور الله، فعلم الشعراء كيف يمدحون، وكيف يقولون.

40

فلحاجة الفاطميين للدعوة قربوا الشعراء، فكثر الشعر وحسن وجاد، فرأينا شعراء ممتازين في هذا العصر لم يكن مثلهم في مصر، شعراء أتوا من المغرب مع المعز وبعده، وشعراء وافدون من العراق والشام واليمن، وشعراء من المصريين أنفسهم، وراج الشعر لكثرة الدوافع وقوتها، فنوع الشعر الغالب على الأدب العربي - وهو شعر المديح - إنما يكثر ويزدهر على باب القصور السخية، والفاطميون كانوا من أسخى الناس في هذا الباب ثم هم أكثروا من الحفلات العامة، مما لم يكن له نظير في مصر لا قبلهم ولا بعدهم، وهذه الحفلات والأعياد كانت في غاية من الفخامة والضخامة، قد أقروا الأعياد التي كانت قبلهم، وزادوا عليها: فموسم رأس السنة، ويوم عاشوراء، ومولد النبي، ومولد علي، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وأول شعبان ونصفه، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وعيد الفطر، وعيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وفتح الخليج، ويوم النيروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس ... إلخ، مما بقي أثر بعضه عند المصريين إلى اليوم.

وكان في كثير من هذه الأعياد، يركب الخليفة بزيه المفخم، وهيئته المعظمة، وتوزع الخلع والجوائز، وتمد الأسمطة، فتكون كل هذه المظاهر حافزة للشعراء على أن يقولوا ويكثروا ويجيدوا في هذا الباب من القول الذي يعده الفاطميون دعاية لهم لا بد منها.

روى المقريزي عن الشريف أبي عبد الله الجواني، أن الخليفة الآمر بأحكام الله بنى منظرة من خشب مدهونة، فيها طاقات تشرف على خضرة بركة الحبش، وصور فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل منهم رف لطيف مذهب، فلما دخل الآمر وقرأ الأشعار، أمر أن يحط على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارا، وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرته بيده، ففعلوا ذلك، وأخذوا صررهم، وكانوا عدة شعراء.

41

وقد أسس هذه الخطة - خطة الاحتفاء بسماع الشعر ورعايته والمكافأة العظيمة عليه - الخليفة المعز ووزيره يعقوب بن كلس، ثم صارت تقليدا فاطميا متبعا بالمعز أسس له ابن هانئ منهج الشعراء في المديح، ويعقوب بن كلس قرب الشعراء وشجعهم وأغناهم، وكان من أولهم في ذلك الشاعر أبو حامد الأنطاكي المعروف بأبي الرقعمق، وأكثر شعره وقف على مدح المعز والعزيز والحاكم بأمر الله، وجوهر القائد، وخاصة الوزير ابن كلس من مثل قوله فيه:

كل يوم له على نوب الده

ر وكر الخطوب بالبذل غاره

ذو يد شأنها الفرار من البخ

ل وفي حومة الندى كراره

هي فلت عن العزيز عداه

بالعطايا وكثرت أنصاره

هكذا كل فاضل يده تم

سي وتضحي نفاعة ضراره

فاستجره فليس يأمن إلا

من تفيا ظلاله واستجاره

وإذا ما رأيته مطرقا يع

مل فيما يريده أفكاره

لم يدع بالذكاء والذهن شيئا

في ضمير الغيوب إلا آثاره

لا ولا موضعا من الأرض إلا

كان بالرأي مدركا أقطاره

زاده الله بسطة وكفاه

خوفه من زمانه وحذاره

وقد أفرد العماد الأصفهاني في كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر» جزءا خاصا لشعراء مصر، بلغ عددهم نحو المائة، ترجم لكل منهم وذكر شيئا من شعره.

42

ويمكننا أن نقسم الشعر المصري الفاطمي أقساما ثلاثة: قسم في المديح وهو أكبر الأقسام كعادة الشعر العربي، وكما رأيت في شعر أبي الرقعمق، ويمتاز عما قبله من شعر مصر بالجزالة والقوة للأسباب التي ذكرناها ، ومن أشهر هؤلاء المهذب بن الزبير، وكان أكثر مديحه في الصالح بن رزيك، ومن أشهر قصائده فيه قصيدة نونية يمدحه بها بعد انتصار أسطول مصر على أسطول الروم، مطلعها:

ظهر الإسلام · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٧٧