تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت في مصر أيضا حركة في النحو، من أشهر رجالها أبو بكر الأدفوي تلميذ أبي جعفر النحاس الذي تقدم ذكره، برع في علوم القرآن والنحو، له كتاب في علوم القرآن في مائة وعشرين مجلدا مات، سنة 388ه.

ثم ابن بابشاذ، أحد أئمة النحو والأعلام في فنون العربية وفصاحة اللسان، ورد العراق تاجرا في اللؤلؤ، وأخذ عن علمائها ورجع مصر، واستخدام في ديوان الإنشاء والرسائل مراجعا يراجع ما يخرج من الديوان من الإنشاء، ويصلح ما يراه من الخطأ في الهجاء والنحو واللغة، ثم تزهد، وقد ألف شرحا على كتاب «الجمل» للزجاجي، و«المحتسب في النحو»، وتعليق في النحو يقارب خمسة عشر مجلدا. مات سنة 469ه.

ثم كانت الحركة الأدبية؛ وفي الحق أن الشعر في العهد الفاطمي في مصر كان أول شعر مصري قيم من عهد فتح العرب لمصر؛ إذ كان قبل ذلك ليس له من قيمة إلا للوافدين على مصر من الخارج، أما شعر المصريين أنفسهم فكان محاولات أولية، حتى إذا جاء الفاطميون جاء الشعر وجاد، ويرجع ذلك إلى أمور:

الأول:

أن العصر الأول لفتح مصر كان عصر دهشة أعقبت الفتح، فلما استقرت الأمور وبدأ الشعر ينهض، تولى الحكم أتراك من مثل الطولونيين والإخشيديين، وليس لهم من الذوق العربي الراقي ما يستسيغون به الشعر، والشعر العربي بطبيعة موضوعاته التي كانت من مديح ونحوه لم يكن يزهر إلا على باب قصور الخلفاء والأمراء، فإن تذوقوه وشجعوه نما وازدهر، وإلا ضعف وانحدر، فلما جاء الفاطميون - وهم عرب لهم الذوق العربي، والثقافة العربية، وخاصة في أول عهدهم؛ إذ كان فيهم أيضا الذوق البدوي - نما الشعر على بابهم، ولما جاءوا مصر جاءوا بذوقهم وشعرائهم، وتتابعت الموجات.

والثاني:

أن الدولة الفاطمية كان أساسها الدعوة والدعاية بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمة، حتى قل أن نرى لها مثيلا في تنظيم دعوتها سرا وجهرا، والدقة في اختيار الأساليب المختلفة التي تناسب العامة والخاصة، والجاهل والعالم، والمتدين والملحد، والغبي والفيلسوف؛ فرأت بصائب نظرها أن الشعراء من أصلح الدعاة لمذهبهم؛ إذ هم يقومون في زمنهم مقام الجرائد السيارة في عصرنا، فاحتضن الخلفاء الفاطميون ووزراؤهم وأمراؤهم الشعراء ينفحونهم بالمال الكثير، والعطاء الوفير؛ ليطلقوا ألسنتهم بالقول في مدحهم ومدح مذهبهم.

وقد وضع ابن هانئ الأندلسي أول خطة لذلك وهو بالمغرب عندما اتصل بالمعز فاتح مصر ومؤسس القاهرة، فمدحه بغرر المدائح وعيون الشعر، وبالغ المعز في الإنعام عليه، ولم يكن هناك ممدوح أعز شاعره كما أعز المعز ابن هانئ، فلما أنشده بالقيروان قصيدته التي أولها:

هل من أعقة عالج يبرين

أم منهما بقر الحدوج العين

أمر له بدست قيمته ستة آلاف دينار، فقال له: يا أمير المؤمنين! ما لي موضع يسع الدست إذا بسط، فأمر له ببناء قصر غرم عليه ستة آلاف دينار، وحمل إليه آلة تشاكل القصر والدست قيمتها ثلاثة آلاف دينار. ولما بلغه خبر وفاته وهو بمصر تأسف عليه كثيرا، وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك.»

37

وقد أسس ابن هانئ في شعره عقائد الإسماعيلية، وصاغها صياغة شعرية، وعلم الشعراء كيف يمدحون الخلفاء الفاطميين من ناحية عقائدهم، كما يمدحونهم من ناحية خلائقهم، فيقول مثلا:

أنت الورى فاعمر حياة الورى

باسم من الدعوة مشتق

38

ويقول:

قد كان ينذر بالوعيد لطول ما

أصغى إليك ويعلم التأويلا

39 •••

أهل النبوة والرسالة والهدى

في البينات وسادة أطهار

والوحي والتأويل والتحليل والت

حريم لا خلف ولا إنكار

ويقول:

ماذا تريد من الكتاب نواصب

وله ظهور دونها وبطون

وهو بذلك يؤكد عقيدة الشيعة في أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وأن التأويل لا يعلمه إلا الله ورسوله وخلفاؤه المنصوبون من قبله، إماما بعد إمام إلى آخر الأئمة المعصومين، يعلم الماضي منهم من يأتي بعده، وسائر الناس يستفيدون علم التأويل منهم بقدر استعدادهم.

ظهر الإسلام · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٧٦