ثم كانت حركة أخرى طبية فلسفية رياضية علمية؛ اشتهر فيها محمد بن أحمد بن سعيد التميمي، أصله من بيت المقدس، ودخل مصر في العهد الفاطمي، واشتهر بالطب وخاصة في خواص العقاقير وتركيب الأدوية؛ وصحب يعقوب بن كلس والخليفة العزيز، وصنف له كتابا كبيرا في عدة مجلدات سماه «مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء، والتحرز من ضرر الأوباء»، ولقي الأطباء بمصر وحاضرهم وناظرهم، واختلط بأطباء الخاص القادمين من أرض المغرب في صحبة المعز عند قدومه، والمقيمين بمصر من أهلها، وكان منصفا في مذكراته، غير راد على أحد إلا بطريق الحقيقة، وكان التميمي هذا موجودا بمصر في حدود سنة 370ه.
34
ثم أبو الفتح منصور بن سهلان بن مقشر، كان نصرانيا، وكان طبيب الحاكم بأمر الله، ومن الخواص عنده، وكان متقدما في الدولة، وتوفي في أيام الحاكم، فاستطب بعده إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس.
35
وعلي بن سليمان، وكان طبيبا للعزيز بالله وولده الحاكم، وقد نقل بعض الكتب في الطب لأبقراط وجالينوس، كما ألف فيما بعد الطبيعة.
وأبو علي بن الهيثم، وأصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر في أيام الحاكم بأمر الله وأقام بها إلى آخر عمره، برع في الرياضيات والطبيعيات، وله مشاركة في الطب، وقد أتى مصر باستدعاء الحاكم لما بلغه أن له نظرية هامة في توزيع مياه النيل، ولكنه لما حضر وسافر إلى الشلال وخبر النيل هناك ودرسه أدرك خطأ نظريته، واعتذر للحاكم، ولكنه كان مصدر حركة فلسفية كبيرة وخاصة في الطبيعيات والرياضيات، وكان لا يهمه المال والجاه بجانب ما يهمه العلم والوقوف على الحقيقة، قال في كتبه: «إني لم أزل منذ عهد الصبا مرويا في اعتقادات الناس المختلفة، وتمسك كل فرقة منهم بما تعقتده من الرأي، فكت متشككا في جميعه، موقنا بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية انقطعت إلى طلب معدن الحق، ووجهت رغبتي وحرصي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون وتنقشع غيابات المتشكك المفتون.» ... إلخ.
وقد ألف نحو مائتي كتاب في الرياضيات والطبيعة والفلسفة ظلت عماد الناس في الشرق والغرب، وخاصة كتاب «المناظر» - وما زال يؤلف ويلخص ويشرح في حركة دائبة مستمرة، وفي كل مرحلة من عمره يقيد أسماء ما ألف، ويقول: «وإن أطال الله لي في مدة الحياة، وفسح في العمر، صنفت وشرحت ولخصت من هذه العلوم أشياء كثيرة تتردد في نفسي، ويبعثني ويحثني على إخراجها إلى الوجود فكري.» وظل وفيا لهذا العهد حتى مات حول سنة 430ه بعدما ملأ الدنيا تآليف في الهندسة والحساب والفلك والمساحة، ومنطق أرسطو، وكتابه في الشعر والنفس، وفي الطب، وفي البصر، ووقوع الإبصار به، والضوء، والبصريات، والمرايا المحرقة ... إلخ، يعكف على عمله هذا في قبة على باب الجامع الأزهر.
36
وكان للمبشر بن فاتك؛ وهو أمير من أمراء مصر في العهد الفاطمي، ولع بالعلوم الفلسفية يقتني كثيرا من كتبها، ويتبحر فيها؛ ويستفيد ابن الهيثم من علمه في الهيئة والرياضة.
واشتهر من هذه الطائفة علي بن رضوان رئيس أطباء الحاكم، وهو مصري الأصل من الجيزة، وكان أبوه فرانا، ولاقى في تعلمه أهوالا حتى برع في الطب، وصار له الذكر والسمعة العظيمة، والثراء الواسع، وقد قامت بسببه حركة فكرية نافعة تحركت بها الأفكار في مصر وبغداد؛ إذ دخل ابن رضوان المصري في مناظرة حادة مع ابن بطلان الطبيب النصراني البغدادي، وتبودلت بينهما الرسائل «ولم يكن أحد منهما يؤلف كتابا، ولا يبتدع رأيا إلا ويرد الآخر عليه»، وكان ابن رضوان طويل اللسان يكثر التشنيع على من يخالفه، وتعدت المناظرة من المسائل العلمية إلى التعبير بقبح الشكل، وكان ابن رضوان قبيح الشكل، فتناظرا أيضا في أيهما خير أن يكون الطبيب جميلا أو لا، ولما طالت المناظرات سافر ابن بطلان من بغداد إلى مصر ليرى مناظره، وأقام بها ثلاث سنين، واستمرت بينهما المناظرات. ويقول ابن أبي أصيبعة في المقارنة بينهما: كان ابن بطلان أعذب ألفاظا، وأكثر ظرفا، وأميز في الأدب وما يتعلق به، وكان ابن رضوان أطب وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها، وقد ألف ابن رضوان كتبا كثيرة في الطب والفلسفة.