تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وكانت تسمى هذه الدار أيضا دار العلم، وصفها المسبحي فقال: «فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت إليها الكتب من خزائن القصور المعمورة، ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، بعد أن فرشت هذه الدار وزخرفت، وعلقت على جميع أبوابها الستور، وأقيم قوام وخدام وفراشون وغيرهم وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها ... وحضرها الناس على طبقاتهم؛ فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر ... وفي سنة 403ه أحضر «الحاكم» جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من الأطباء إلى حضرته، وكانت كل طائفة تحضر على انفراد للمناظرة بين يديه، ثم خلع على الجمع وصرفهم ... ووقف الحاكم بأمر الله أماكن في فسطاط مصر عليها، وقد استمرت على هذا الوضع إلى سنة 516ه؛ حيث كثرت فيها المناقشات الدينية التي سببت فتنا، فأغلقت ثم أعيد فتحها.»

32

فهي بهذا الوصف مكتبة قيمة، ومدرسة تدرس فيها العلوم المختلفة وقاعة مناظرات.

كان بجانب الحركة الدينية من سنية وشيعة حركات أخرى مدنية، من ذلك حركة تاريخية، فقد نبغ من مؤرخي هذا العصر الشابشتي، وهو أبو الحسن علي بن محمد، وكان في عهد العزيز بن المعز، وكان نديمه وجليسه، والقيم على خزانة كتبه، اشتهر بكتابه «الديارات»، ذكر فيه كل دير بالعراق والموصل والشام والجزيرة ومصر، وجميع الأشعار التي قيلت في كل دير وما جرى فيه، وكان من حسن الحظ بقاء هذا الكتاب إلى عصرنا هذا مخطوطا ينتظر من ينشره. توفي سنة 388ه.

كما نبغ من المؤرخين في العصر الفاطمي «المسبحي»، وهو عز الملك محمد بن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الحراني الأصل، المصري المولد، وكان من أقطاب مصر في العلم والسياسة والإدارة؛ تولى للحاكم بأمر الله بعض ولايات الصعيد ثم تولى ديوان الترتيب، وعني بتاريخ مصر، وألف فيها تاريخه الكبير، قال هو فيه: «إنه التاريخ الجليل قدره، الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في معانيه، وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية، واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها إلى الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس القضاة والحكام والمعدلين «الشهود»، والأدباء والمتغزلين وغيرهم، وهو ثلاثة عشر ألف ورقة.»

33

فكان ينظر إلى التاريخ نظرة اجتماعية، ومن الأسف أن لم يصلنا من هذا الكتاب إلا قطعة مخطوطة، وفقد مع ما فقد من آثار الفاطميين الجليلة ويدلنا ما نقله المقريزي و«النجوم الزاهرة» عن هذا الكتاب أنه جليل القدر، دقيق النظر، مفيض في الوصف، جميل التعبير.

وله كتب أخرى كثيرة ، منها: كتاب «درك البغية» في وصف الأديان والعبادات 3500 ورقة، وكتاب «الأمثلة للدول المقبلة» يتعلق بالنجوم والحساب في 500 ورقة.

إلى كثير من الكتب الأدبية في النوادر والغزل، والأغاني ومعانيها وغير ذلك، عاش المسبحي من (366ه-420ه).

ثم القضاعي؛ أبو عبد الله محمد بن سلامة تولى القضاء بمصر، وقد اشتهر بوضعه كتابا في خطط مصر سماه «المختار في ذكر الخطط والآثار» كان عونا للمقريزي على خططه، وقد أوفده المستنصر الخليفة الفاطمي إلى تيودورا إمبراطورة القسطنطينية سنة 447ه ليتحدث في الصلح بينهما، وقد مات سنة 454ه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٧٤