فلما كان المسجدان الكبيران في مصر - مسجد الفسطاط ومسجد ابن طولون، وكانا مركزي التعليم السني من قبل الفاطميين - دعا الأمر عند إنشاء القاهرة إلى إنشاء مساجد تقام فيها الصلوات، وتنشر منها الدعوة الشيعية بجانب تلوين مسجدي مصر بالتشيع أيضا، وتكون أيضا مركزا لنشر المبادئ السياسية والاجتماية التي يراد نشرها، فأسس الأزهر لهذا الغرض؛ بناه جوهر قائد المعز، وأقيمت فيه أول جمعة في شهر رمضان سنة 361ه، وكان الخليفة الفاطمي يخطب فيه بنفسه كل جمعة إلى أن أنشأ الحاكم جامعه سنة 380ه، فوزعت الخطبة على المساجد الأربعة؛ وكان الخليفة يخطب في الجامع الحاكمي خطبة، وفي الأزهر خطبة، وفي جامع ابن طولون خطبة، وفي جامع عمرو بن العاص خطبة، محفوفا بالوزير والقاضي وداعي الدعاة.
واتخذ الأزهر كغيره مدرسة لدراسة المذهب الشيعي، قال المقريزي: «إن أول ما درس بالأزهر الفقه الفاطمي على مذهب الشيعة، فإنه في شهر صفر سنة 365ه جلس علي بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر، وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر «بالاقتصار» وكان جمعا عظيما، وأثبت أسماء الحاضرين.» وألف يعقوب بن كلس الوزير السابق الذكر كتابا في الفقه يتضمن ما سمعه من المعز، وهو مبوب على أبواب الفقه يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية، وكان له مجلس في يوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلمين وأهل الجدل، وكان يجلس أيضا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه، وأجرى العزيز بالله الأرزاق لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير، وأمر العزيز أيضا لهؤلاء الفقهاء ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر؛ فإذا كان يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى صلاة العصر، وكان عدتهم خمسة وثلاثين رجلا.
وبقي الأزهر مركز الفاطمي إلى أن بنى الحاكم جامعه، فتحلق فيه الفقهاء الذين يتحلقون في الجامع الأزهر.
ووقف الحاكم الأوقاف على الأزهر، وعلى جامع راشدة، وجامع المقس، وعلى دار الحكمة، من عقار وكتب.
ثم عنيت الدولة الفاطمية بالكتب عناية كبيرة، فكان من أشهر خزائن القصور الفاطمية خزانة الكتب، وقد نقل المقريزي عن المسبحي - مؤرخ الدولة الفاطمية، والذي عاش في كنفها - أنه كان بخزانة العزيز نيف وثلاثون نسخة من كتاب «العين» للخليل بن أحمد، وما ينيف على عشرين نسخة من «تاريخ الطبري»، ومائة نسخة من «الجمهرة» لابن دريد - ثم قال: إنه كان في سائر العلوم بالقصر أربعون خزانة من جملتها خزانة فيها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة - يعني: الفلسفة والطب والإلهيات وما إليها - هذا إلى العناية بالناحية الأثرية من اقتناء الكتب بخطوط المؤلفين، وما عني فيها بحسن الخط والتجليد، وينقل المقريزي أيضا عن ابن الطوير أن كل خزانة تحتوي على عدة رفوف، والرفوف مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب من المجلدات ويسير من المجردات، فمنها الفقه على سائر المذاهب، والنحو واللغة، وكتب الحديث، والتواريخ وسير الملوك، والنجامة والروحانية والكيمياء - من كل صنف النسخ - ومنها النواقص التي ما تممت - كل ذلك بورقة مترجمة ملصقة على كل باب خزانة.
30
وقد ذكر المقريزي أيضا أنه دخل هذه المكتبة «مكتبة الفاطميين» أحد السياح، فرأى فيها مقطعا من الحرير الأزرق غريب الصنعة فيها صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومساكنها، وجميع المواطن المقدسة مبينة للناظر، مكتوبة أسماء طرائقها ومدنها وجبالها وبلادها وأنهارها وبحارها بالذهب، وغيرها بالفضة والحرير.
ثم أسس الحاكم بأمر الله دار الحكمة سنة 395ه، وقد اختار هذا الاسم رمزا إلى الدعوة الشيعية؛ لأن مجالس الدعوة كانت تسمى مجالس الحكمة،