تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

ولكن هذه السياسة لم تكن ثابتة مطردة، بل كانت قلقة مضطربة كاضطراب سياسة الفاطميين؛ فأحيانا يبالغون في اضطهاد أهل السنة، وأحيانا يسمحون لهم بحريتهم، كما كانوا أحيانا يضطهدون اليهود والنصارى إلى أقصى حد، وأحيانا يبالغون في إكرامهم إلى أقصى حد.

وقد رتب الفاطميون الدعوة، وقووها وأحكموها وجعلوا عليها رئيسا سموه «داعي الدعاة»، ومنزلته تلي قاضي القضاة، ويتزيا بزيه، واشترطوا فيه أن يكون عالما بجميع مذاهب أهل البيت، وتحته اثنا عشر نقيبا، وله نواب كنواب الحكم في سائر البلاد، ويحضر ما يقال في الدعوة ويقره داعي الدعاة، ثم يقره الخليفة، ويتلى ما يحضر يوم الاثنين والخميس على الرجال في مكان، وعلى النساء في مكان. وهناك مجالس للعامة، ومجالس للخاصة، وكانت تسمى مجالس الدعوة، مجالس الحكمة.

27

واتخذت المساجد الكبيرة مركزا لهذه الدعاية كمسجد عمرو في الفسطاط، ومسجد ابن طولون، والأزهر، والمساجد الكبري في البلدان.

وبجانب هذه الدعوات الظاهرة دعوات سرية لا تقال إلا لخاصة المخلصين، يقول الخليفة لداعي الدعاة في كتاب له: «واتل مجالس الحكم التي تخرج إليك في الحضرة على المؤمنين والمؤمنات، والمستجيبين والمستجيبات في قصور الخلافة الزاهرة، والمسجد الجامع بالمعزية القاهرة، وصن أسرار الحكم إلا عن أهلها، ولا تبذلها إلا لمستحقها ولا تكشف للمستضعفين ما يعجزون عن تحمله، ولا تستقل أفهامهم بتقبله.» ويقول: «ولا تلق الوديعة إلا لحفاظ الودائع، ولا تلق الحب إلا في مزرعة لا تكدي على المزارع، وتوخ لغرسك أجل المغارس.» ... إلخ.

28

وجاء قوم من العلماء المغاربة في ركب المعز، وهم ماهرون في الدعوة، واقفون على أسرار تعاليم أهل البيت، لعل من أشهرهم النعمان بن محمد بن حيون الذي تولى القضاء في مصر على مذهب أهل البيت هو وأولاده وأسرته عهدا طويلا في الحكم الفاطمي؛ وكانت هذه الأسرة تقوم بالقضاء وبالدعوة وبالتأليف في المذهب الشيعي. وكان النعمان هذا مالكى المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وألف فيه تصانيف كثيرة، قال ابن زولاق: إنه ألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، وكان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه، وعالما بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء، واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف، وله ردود على المخالفين له، رد على أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن سريج.

29

ثم إن محمد بن النعمان قاضي المعز والعزيز، وكان واسع العلم في الفقه والتاريخ والنجوم، يقضي بين الناس، ويقرأ في القصر علوم آل البيت، ويزدحم الناس على سماعه حتى يموت بعضهم من الزحام، كما كان من أشهرهم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، كان من أعلم الناس بفقه الإمامية. قال ابن كثير: إنه ألف في العقائد الشيعية الكتاب المسمى «البلاغ الأكبر والناموس الأعظم». وقد رد على هذا الكتاب أبو بكر الباقلاني.

كان في مصر والشام كثير من الفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية، وكانوا لا يرون التشيع، فكانوا يستنكرون تعاليمهم، ولكن في تحفظ؛ لأن الدولة للتشيع.

ولهذا نرى قلة الفقهاء المالكية والشافعية والحنفية في مصر والشام في هذا العصر، - وخاصة في أول عهد الفاطميين أيام قوتهم - ومع هذا نرى أمثال أبي بكر محمد النعالي المالكي إمام المالكيين في عهده، كانت حلقته في جامع الفسطاط تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها، توفي سنة 380ه. ولا بد أن يكون ذلك في فترة فترت فيها حدة التشيع.

ولكن على كل حال أنتجت هذه الحركة حياة فكرية نشيطة. وكما ذكرنا كانت الحركة الفلسفية تشايع التشيع، فامتزجت الفلسفة بالدعوة الشيعية.

واستتبعت الدعوة للتشيع تنظيم وسائل الدعاية من إنشاء المساجد ودور الكتب. فالمساجد كانت لهذا العهد هي المدارس وهي المحاريب، وهي أمكنة العبادة وهي مكان الخطب السياسية فيما يجد من الأحداث، فكانت تقوم بوظائف اجتماعية أكثر جدا مما تقوم به الآن.

ظهر الإسلام · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٧٢