16
فيظهر لي أنه كان له دخل كبير في تأسيس الحركة العلمية على هذا النمط، وإدماج الفلسفة فيها وتوجيهها الجهة التي توجهتها، وتشجيعه اليهود والنصارى على الاشتغال العلمي والمشاركة في الإدارة وفلسفة الدعوة.
وكانت زوجة «العزيز» نصرانية على مذهب الملكية، وكان لها أخوان أحدهما اسمه «أرميس» صيره بطركا على بيت المقدس، والآخر «أرسانيس» صيره بطركا للملكية على القاهرة ومصر، وكان لهما من العزيز جانب لأنهما أخولة ابنته.
17
وكان لهذه السيدة نفوذ عظيم على العزيز في تسامحه مع النصارى والسماح بإعادة بعض الكنائس.
وقد ولدت هذه الزوجة النصرانية من العزيز بنتا هي المسماة بست الملك، وكانت - كما يصفها النويري - قوية العزم بصيرة بالأمور، وكان لها أثر كبير في أبيها، وفي توجيهه نحو سياسة التسامح مع النصارى، كما كانت في عهد أخيها الحاكم بأمر الله ذات أثر فعال فيما وقع من أحداث.
وقد سمح العزيز هذا لبطريرك الأشمونيين أن يناظر رجال الدين مثل القاضي ابن النعمان في العقائد الدينية.
وفي السنتين الأخيرتين لحكم العزيز تولى الوزارة بعد يعقوب بن كلس عيسى بن نسطورس النصراني.
ثم مما شجع على اشتغال الفاطميين بالفلسفة ما كان لهم من رأي في أن للدين ظاهرا وباطنا، ومعنى صريحا ومعنى مؤولا، فهذا يترك للخيال المجال، ويجعل الفكر يسبح في الفلسفة يأخذ منها ويلصقها بالدين، كما نرى ذلك بوضوح في رسائل إخوان الصفا - وهم شيعيون باطنيون - ولذلك كانت الفلسفة ألصق بالتشيع منها بالتسنن، نرى ذلك في العهد الفاطمي، والعهد البويهي؛ وحتى في العصور الأخيرة كانت فارس أكثر الأقطار عناية بدراسة الفلسفة الإسلامية ونشر كتبها، ولما جاء جمال الدين الأفغاني مصر في عصرنا الحديث - وكان فيه نزغة تشيع، وقد تعلم الفلسفة الإسلامية بهذه الأقطار الفارسية - كان هو الذي نشر هذه الحركة في مصر.
ثم إن المقريزي يقول: كان الفاطميون يتدرجون في دعوتهم؛ فإذا تمكن المدعو من التعاليم الأولى «أحالوه على ما تقرر في كتب الفلاسفة من علم الطبيعيات وما بعد الطبيعة والعلم الإلهي وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية؛ حتى إذا تمكن المدعو من معرفة ذلك كشف الداعي قناعه، وقال: إن ما ذكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني المبادئ، وتقلب الجواهر، وإن الوحي إنما هو صفاء النفس، فيجد النبي في فهمه ما يلقى إليه ويتنزل عليه فيبرزه إلى الناس، ويعبر عنه بكلام الله الذي ينظم به النبي شريعته بحسب ما يراه من الملصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب حينئذ العمل بها إلا بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدهماء ... ثم قال: ومن جملة المعرفة عندهم أن الأنبياء النطقاء أصحاب الشرائع إنما هم لسياسة العامة، وأن الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصة ... ثم يقول: إن لهم في هذا مصنفات كثيرة اختصرت منها ما تقدم ذكره».
18
ويروي صاحب «الفرق بين الفرق» أن عبيد الله بن الحسن القيرواني أحد زعماء الإسماعيلية، كتب إلى أحد دعاة المذهب سليمان بن الحسن أبي سعيد الجنابني يقول: «وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به، فعلى الفلاسفة معولنا.» ويقول الشهرستاني: «إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا المنهاج.» ويفيض في بيان ذلك، ويقول دوزي: «إن ابن ميمون - وهو واضع الأساس للتعاليم الباطنية والإسماعيلية - لم يكن يبحث في أنصاره المخلصين بين الشيعة الخلص، إنما كان يبحث عنهم بين الثنوية والوثنيين، وتلاميذ الفلسفة اليونانية، وخاصة الأخيرين، فإليهم وحدهم أفضى بسره، وكنه عقيدته، وهو أن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالا وهزؤا، وأن العامة ليسوا أهلا لفهم هذه المبادئ، إلا أنه كان يستعين بهم، ولا يصدمهم، وكان دعاته يظهرون في أثواب مختلفة، ويحادثون كل طبقة باللغة التي يفهمونها.