تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان حوله أطباء يعنون بالطب والفلسفة، إذ كان الطب فرعا من فروعها، ويذكر ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» أن سيف الدولة كان له أربعة وعشرون طبيبا منهم عيسى الرقي، وكان سيف الدولة يعطي عطاء لكل عمل، وكان عيسى الرقي يأخذ أربعة أرزاق، رزقا بسبب الطب، ورزقا بسبب ترجمة الكتب من السرياني إلى العربي، ورزقين بسبب علمين آخرين.

15 •••

هذا بلاط سيف الدولة يزخر بالشعر والمناظرات اللغوية والنحوية، ويزينه الفارابي بفلسفته، ويشع هذا النتاج في المملكة الإسلامية كلها وخاصة الشام.

ومنه يستنشق أبو العلاء المعري أول عهده بالدراسة؛ فقد ولد بالمعرة سنة 363ه وهي بلدة تابعة لحلب، ولئن كان سيف الدولة قد مات قبل ولادة أبي العلاء بثماني سنين، فإن الحركة العلمية والأدبية بها لم تكن ماتت، فشعر الشعراء يروى، وتلاميذ ابن خالويه وابن جني يروون علمهما باللغة والأدب والنحو والصرف، وتلاميذ الفارابي يروون فلسفته، فلما انتقل أبو العلاء من المعرة إلى حلب للدرس وجد لكل ذلك مهيأ فاستفاد منه، وجد الناس يروون شعر أبي الطيب ويعجبون به فسمع منهم، وسمع محمد بن عبد الله بن سعد النحوي راوية أبي الطيب، وسمع من تلاميذ ابن خالويه، فيقول في بعض رسائله: «حدثني أبو القاسم المبارك عن ابن خالويه.» ولا بد أن يكون لقي بعض تلاميذ الفارابي وأخذ عنهم.

وقد أقام أبو العلاء في حلب نحو عشر سنوات ينهل من موارد العلم، فحركة الأدب واللغة والفلسفة التي أحياها سيف الدولة لها فضل على أبي العلاء وغيره من العلماء والأدباء. •••

ثم جاءت الدولة الفاطمية فبسطت سلطانها على مصر والشام، والحق أنها أتت بحركة علمية عظيمة نشيطة، وقدمت العلم والأدب والفن في مصر والشام خطوات، حتى لا يعد شيئا بجانبها ما كان في العهد الطولوني والإخشيدي، ويصح أن تقارن وتساوى بما كان في العراق، وخاصة العلوم العقلية والفلسفية فإنها نبغت فيها، ويرجع ذلك إلى أمور:

أولها: أن الفاطميين جاءوا بمذهب شيعي له أسس ودعائم تخالف ما كان عليه أهل السنة في مصر والعراق، كعصمة الأئمة ونحو ذلك، وتأتي بشعائر ظاهرة مخالفة لشعائر السنيين كذلك، كالأذان: بحي على خير العمل، والاحتفاء بعاشوراء وعيد الغدير، فإتيان الفاطميين بهذا أوجد حركة عنيفة للتأييد من جهة والتفنيد من جهة، فهب علماء من مصر يفندون هذه الآراء، وكان العراقيون أجرأ لأنهم غير خاضعين لسلطانهم كالمصريين والشاميين، ولجأ الخليفة العباسي إلى العلماء يستحثهم على القول بفساد النسب الباطني، كما لجأ إلى الغزالي يستدعيه لتأليف كتاب «فضائح الباطنية»، وهكذا كل هذه العقول تتحرك وتجتهد وتؤلف وتجادل وتناضل، فكان من هذا النشاط العقلي الكبير، واستتبع ذلك نشاط الفاطميين في إيجاد المكاتب ومجالس الدعاة في القصر والمساجد وبيوت العظماء وتأليف الكتب، وتنظيم الدعوة وغير ذلك.

وكان أن التجأ الفاطميون إلى الفلسفة اليونانية يستعينون بها على تأييد الدعوة الشيعية، ويستمدون الآراء من أقوال أفلاطون وأرسطو، وسائر حكماء اليونان، كما فعلت الأديان الأخرى عند اشتداد الجدل، كالنصارى واليهود عند افتراقهم فرقا، وكما فعل المعتزلة عند جدالهم مع اليهود والنصارى، وهذا سبب من أسباب تشجيع الفاطميين للفلسفة.

ثم كان أن رأينا عهد الفاطميين في مصر والشام مصحوبا بتسامح شديد مع اليهود والنصارى، واستخدامهم في أدق شئون الدولة، وتسلطهم على كثير من أمورها، ولعل أس دعوتهم كان توحيد العالم الإسلامي تحت سلطانهم من غير مراعاة عصبية دينية ولا جنسية، فكانوا يخاطبون كل قوم بما يقربهم إلى الدعوة، وكان من ذلك تسامحهم مع اليهود والنصارى واستخدامهم، وإطلاق الحرية لهم إلا إذا أحسوا ثورة من الشعب لهذا التسامح فيتراجعون؛ كل هذا لأن أغراضهم السياسية والاجتماعية كانت أقوى من أغراضهم الدينية، فيعقوب بن كلس يهودي الأصل، ماهر ماكر، مثقف ثقافة واسعة، حسن التدبير، واسع الحيلة، باذل للمال، راغب في الجاه، لمع اسمه في العهد الإخشيدي، وأسلم وتعلم القرآن والحديث والأدب العربي، وسافر إلى المغرب واتصل بجوهر القائد مولى المعز لدين الله، وبذل له علمه عن مصر، وأعانه بآرائه في وسائل فتحها، ورجع بصحبة الجيش الفاتح ، وخدم المعز وارتقى حتى كان وزيرا للعزيز بن المعز، وهو الذي وضع قواعد الدولة ونظمها، وكان له إلى هذا الجانب السياسي الإداري جانب علمي، فشجع العلماء، ورتب المجالس، وبذل العطاء لكل فروع العلم، وربط بين العلم والتشيع، وبين التشيع والفلسفة، وله مجالس لعامة العلماء ومجالس لخاصة من العلماء وهؤلاء هم الذين يفلسفون هذه الأمور، ووضع كتابا في فقه الشيعة يقول: إنه مما سمعه من المعز والعزيز، كان يقرؤه في المسجد، ويقرؤه العلماء ويفتون منه، وكان يكون كل شيء في الدولة، يوجه سياستها وإدارتها، ولما مات صلى عليه العزيز بنفسه، وألحده بيده، وأمر بغلق الدواوين أياما بعده.

ظهر الإسلام · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٦٩