وهكذا كانت هذه الحادثة مصرع الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعده خاتما في أصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة، «وصار يضرب ذلك مثلا لمن له ظاهر الأمر، وليس له من باطنه شيء، فيقال: قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة والخطبة، يعني قنع منه بالاسم دون الحقيقة»،
19
وفي هذا المعنى يقول بعضهم في الخليفة المستعين:
خليفة في قفص
بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له
كما يقول الببغا
لقد شهد البحتري مقتل المتوكل وكان نديمه وجليسه ، وفزع لذلك، ووصف مقتله في قصيدته الرائية المشهورة، يقول فيها:
ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه
وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت
على عجل أستاره وستائره
وفيها:
حلوم أضلتها الأماني ومدة
تناهت وحتف أوشكته مقادره
ومغتصب للقتل لم يخش رهطه
ولم تحتشم أسبابه وأواصره
صريع تقاضاه السيوف حشاشة
يجود بها والموت حمر أظافره
أدافع عنه باليدين ولم يكن
ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره
ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي
درى الفاتك العجلان كيف أساوره
حرام علي الراح بعدك أو أرى
دما بدم يجري على الأرض مائره
وهل أرتجي أن يطلب الدم واتر
يد الدهر والموتور بالدم واتره؟ ... إلخ.
بل يخيل إلي أن البحتري هاله ما فعله الأتراك بسيده المتوكل وهو الذي مجده في كثير من قصائده، وأسبغ عليه فيها نوعا من التقديس.
وشبيه النبي خلقا وخلقا
ونسيب النبي جدا فجدا
يا ابن عم النبي حقا ويا أز
كى قريش دينا ونفسا وعرضا
بنت بالفضل والعلو فأصبح
ت سماء وأصبح الناس أرضا
ولم يستطع أن يهجو الأتراك في صراحة وإقذاع، وهم الذين بيدهم السلطان، وآلمه ما آل إليه أمر الدولة وقد غلب عليها الأتراك، وما كانت عليه الدولة أيام كان السلطان سلطان الفرس، فحنق على الأولى، وحمد الأخرى. فيخيل إلي أنه قال «بمظاهرة» طريفة يرضي بها شعوره، وهي أنه حج إلى إيوان كسرى رمز سلطان الفرس، ووقف أمامه شاكيا باكيا، وقال سينيته البديعة المشهورة يندب حظه ويبكي أمسه:
حضرت رحلي الهموم فوجه
ت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلى عن الحظوظ وآسى
لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالي
ولقد تذكر الخطوب وتنسي •••
وهو ينبيك عن عجائب قوم
لا يشاب البيان فيهم بلبس •••
ليس يدرى أصنع إنس لجن
سكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم
يك بانيه في الملوك بنكس
بل هو يصرح بعد ذلك أن الفرس ليسوا قومه، ولكن لهم فضل على العرب بما أيدوا من ملكهم، وما خدموا في دولتهم (أي وليس كذلك الترك). وفضلا عن ذلك فإنه يألف الأشراف من كل جنس، ويحب الأصول من كل قوم:
ذاك عندي وليست الدار داري
باقتراب منها ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهلي
غرسوا من ذكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدوا قواه
بكماة تحت السنور حمس
وأراني من بعد أكلف بالأشرا
ف طرا من كل سنخ وأس
فهذه القصيدة ليست نزعة شعوبية من البحتري كما يرى بعضهم، ولكنها - فيما أرى - حسرة على عهد الفرس بعد أن رأى عهد الأتراك، وبكاء على عصر كان الفرس فيه يحتفظون بأبهة الخليفة وعظمته، ويعملون ما عملوا في خدمته، وألم من عصر الأتراك الذي محوا فيه سلطة الخليفة وسلبوه سلطانه، وأخضعوه لإشارتهم، وجعلوه تابعا لأمرهم ونهيهم، وأخيرا فعلوا فعلتهم الشنعاء فقتلوه أشنع قتلة، ولم يرعوا له ولا للخلافة أية حرمة.
وقد خلف لنا الجاحظ رسالة في موضوع العصبية عند مجيء الترك، وهي رسالة كتبها للفتح بن خاقان التركي في مناقب الترك، تمثل لنا أصدق تصوير العصبية بين الجنود المختلفة لما جند الأتراك، وما يقال عن الجنود يصح أن يقال عن غيرهم. وقد ذكر في هذه الرسالة أنه ألفها أيام المعتصم جالب الأتراك، وأنه أراد أن يوصلها إليه فلم تصل، لأسباب يطول ذكرها، ولم يبين لنا شيئا من هذه الأسباب، والظاهر أنها لم تصل إليه؛ لأن من كان في قصر المعتصم من الفرس والعرب عملوا على ألا تقع في يده فتعظم عصبيته للترك.