تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كذلك أبو الفرج الببغاء أمضى شبابه وزهرة عمره في بلاط سيف الدولة، ثم آخر عمره في بغداد.

كذلك كان من شعرائه الوأواء الدمشقي، وهو شارع مطبوع، عذب العبارة حسن الاستعارة، جيد التشبيه.

ومن شعره في سيف الدولة:

من قاس جدواك بالغمام فما

أنصف في الحكم بين الاثنين

أنت إذا جدت ضاحك أبدا

وهو إذا جاد باكي العين

ومن شعرائه «الخالديان»

12

أبو بكر محمد بن هاشم، وأبو عثمان سعيد بن هاشم، وهما أخوان، وقد كانا قيمين على مكتبة سيف الدولة، قال ابن النديم: «قال أبو بكر - وهو أحد الخالديين - وقد تعجبت من كثرة حفظه وسرعة بديهته ومذاكراته: إني أحفظ ألف سمر، كل سمر في نحو مائة ورقة. وكانا مع ذلك إذا استحسنا شيئا غصباه صاحبه حيا أو ميتا، لا عجزا منهما عن قول الشعر، ولكن كذا كانت طباعهما.»

13

وقد ألفا في اختيار شعر بشار، وابن الرومي، والبحتري، ومسلم بن الوليد.

كما كان من شعرائه ابن نباته السعدي، وله فيه مدائح كثيرة.

ويطول بنا القول لو عددنا كل ما كان في بلاطه من شعراء، وحسبنا أن نقول: إن هذا الجو الذي خلقه سيف الدولة حث كل من كان عنده شاعرية على قول الشعر والإجادة فيه، فقيما المكتبة - وهما الخالديان - صارا شاعرين، وبائع البطيخ - وهو الوأواء الدمشقي - صار شاعرا كبيرا، وكشاجم - «وهي كلمة مركبة من: الكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من جواد، والميم من منجم» - قالوا: إنه كان طباخ سيف الدولة، ومع هذا كان شاعرا ظريفا، له ديوان، وله كتاب «أدب النديم»، و«خصائص الطرب»، و«المصايد والمطارد».

ثم كان من أشهر خطباء سيف الدولة ابن نباتة الفارقي صاحب الخطب المشهورة - وهو غير ابن نباتة السعدي الذي تقدم ذكره - وامتلأت خطبه بالدعوة إلى الجهاد ليحث الناس على نصرة سيف الدولة في غزواته للروم.

ثم كان في بلاطه من يعد من أشهر اللغويين والنحويين في زمانه، أبو علي الفارسي، وابن خالويه، وابن جني ، فأما أبو علي الفارسي فكان أكبر نحوي عالم بالعربية في زمنه، عاش في حلب مدة وفي العراق مدة، ويعد هو وتلميذه ابن جني مؤسسي مدرسة في النحو الصرف تستخدم القياس إلى أقصى حد ولا تقف عند النص، فالفرق بينها وبين غيرها كالفرق بين الحنفية في اعتمادهم الكبير على القياس، والمالكية في الاعتماد على الحديث.

لقد رحل أبو علي إلى حلب سنة 341ه، ونزل في ساحة سيف الدولة وشارك في اجتماعاته الأدبية، وكان بينه وبين المتنبي مناظرات في مسائل نحوية ولغوية.

وابن جني تلميذ أبي علي الفارسي، وموسع مبادئه النحوية والصرفية، وإذا عبرنا في النحو والصرف تعبيرنا في الفقه، قلنا: إنه مجتهد فيهما، له آراء مبتكرة واتجاهات انفرد بها.

14

وقد توثقت الصلة بين ابن جني والمتنبي في بلاط سيف الدولة، فكان يناظره فيما يرد في شعره «المتنبي» مما يشبه أن يكون خروجا على النحو أو اللغة، حتى قال فيه المتنبي: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.» وقد شرح ديوان المتنبي شرحا استفاد منه كل من شرح الديوان بعده؛ لاتصاله بالمتنبي ومعرفته بظروف شعره التي كثيرا ما تحدد المعنى، وتمنع التأويلات.

وابن خاوليه من أكبر الأئمة في زمنه في اللغة والنحو والأدب وعلوم القرآن، وقد دخل حلب في أيام سيف الدولة، وكان إمام مجلسه، وله مع المتنبي مناظرات كانت في بعضها حادة، ولم تكن العلاقة بينهما حسنة، فالمتنبي لم يقدر علمه التقدير الجليل، وابن خالويه لم يقدر شعره التقدير الواجب، ثم كان يتحاسدان ويتغايران على قرب المنزلة من سيف الدولة، فكان في القصر حزبان: حزب للمتنبي منه ابن جني النحوي وأبو الفرج الببغاء الشاعر، وحزب عليه منه ابن خالويه اللغوي وأبو فراس الشاعر.

ثم كان في بلاط سيف الدولة الفيلسوف الكبير الفارابي، درس في بغداد، ثم جذبته شهرة بلاط سيف الدولة في حلب، فرحل إليه، وأقام في كنفه لا يأخذ منه من المال إلا ما يسد رمقه «أربعة دراهم في اليوم» ويعيش عيشة التصوف، ويعلم طلابه في الحدائق التي حول حلب ، ويكتب كتبه في المنطق والإلهيات والسياسة والرياضة والكيمياء والموسيقى، وقد بقي في الشام إلى أن مات سنة 339ه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٦٨