ووجهك وضاح وثغرك باسم
ويفضل سيف الدولة أن يكون نظام البيتين هكذا:
وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
ثم يتجادلان في ذلك، كل يؤيد وجهة نظره.
10
وسأل جماعة من العلماء بحضرته يوما، هل تعرفون اسما ممدودا وجمعه مقصور؟ فقال ابن خالويه: إني أعرف اسمين لا أقولهما إلا بألف درهم؛ لئلا يؤخذا بلا شكر، وهما: صحراء وصحارى، وعذراء وعذارى.
وكتب الأدب فيها الكثير مما دار في مجلس سيف الدولة بين المتنبي وخصومه مما سبب رحيله.
فلا عجب أن يكون بلاطه أزهى بلاط في عصره. يقول الخوارزمي؛ حنينا لأيام قضاها فيه: «وقد رأيت في هذه الحضرة - حضرة أبي محمد العلوي بأصبهان - أقواما كنت شاهدتهم على باب سيف الدولة ومنهل الصفا عذب، وعود الشباب رطب، وذكرت بهم مآرب هنالك، وأياما سلبتها سلبا، ونزعت من يدي غصبا، ودهرا كأني كنت أقطعه وثبا.»
11
فالمتنبى قال فيه أحسن شعره وأقواه وأصدقه عاطفة؛ لأن سيف الدولة كريم يغدق على الشعراء كما قال الشاعر:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما
لأجل العطايا، واللها تفتح اللها
ولأن أبا الطيب وجد في سيف الدولة إلى جانب كرمه فروسية واعتزازا بالعربية وحياة حربية، وطموحا إلى المجد، وكلها صفات ينزع إليها المتنبي ويراها مثله، فكان المتنبي يتغنى بمثله محققا في سيف الدولة، ولو لم يكن سيف الدولة لكان المتنبي شيئا آخر. وشعره بعد أن فارقه شعر صناعة إلا ما كان من عتبه على الزمان وحديثه عن نفسه، وقد صدق إذ قال بعد أن مدح سيف الدولة:
لا تطلبن كريما بعد رؤيته
إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
وهذا أبو فراس ابن عم سيف الدولة والذي يصغره بنحو عشرين عاما، قد نشأ في حضانة سيف الدولة ورعايته بعد أن قتل أبوه، وتعلم في ساحته وغزا معه بعض غزواته ولقد قال أبو فراس: «غزونا مع سيف الدولة وفتحنا حصن العيون في سنة 339ه، وسني إذ ذاك تسعة عشر عاما.» وقد أخذ أسيرا في إحدى غزواته للروم وأرسل إلى القسطنطينية، وبقي فيها أربع سنوات قال فيها أحسن شعره، وقد أرسل أكثره إلى سيف الدولة طالبا منه أن يفديه، عاتبا أحيانا، شاكيا أحيانا، وإنما كان أحسن شعره لأن وقوعه في الأسر وبعده عن وطنه أهاج شاعريته ورقق عاطفته، فامتلأ شعره برقة الحنين، وحلاوة الحب، وذل الأسر:
دعوتك للجفن القريح المسهد
لدي وللنوم القليل المشرد
وما ذاك بخلا بالحياة وإنها
لأول مبذول لأول مجتدي
ولكني أختار موت بني أبي
على سروات الخيل غير موسد
وآبى وتأبى أن أموت موسدا
بأيدي النصارى موت أكمد أكبد •••
فلا تقعدن عني وقد سيم فديتي
فلست عن الفعل الكريم بمقعد
فكم لك عندي من أياد وأنعم
رفعت بها قدري وأكثرت حسدي •••
أقلني أقلني عثرة الدهر إنه
رماني بنصل صائب النحر مقصد
ولو لم تنل نفسي ولاءك لم أكن
لأوردها في نصره كل مورد
ولا كنت ألقى الألف زرقا عيونها
بسبعين، فيها كل أشام أنكد
وإنك للمولى الذي بك أقتدي
وإنك للنجم الذي بك أهتدي
وأنت الذي عرفتني طرق العلا
وأنت الذي أهديتني كل مقصد ... إلخ.
ويرثي لحال أمه في قصيدته:
مصابي جليل والعزاء جليل
وظني بأن الله سوف يزيل
ويبكي وطنه:
ومن مذهبي حب الديار وأهلها
وللناس فيما يعشقون مذاهب ... إلخ إلخ.
فإن استخرج سيف الدولة من المتنبي مديحا رائعا، فقد استخرج من أبي فراس أسى رائعا.
وكان في بلاط سيف الدولة أبو العباس النامي، وكان من خير الشعراء، وكانت منزلته عند سيف الدولة تلو منزلة المتنبي، يقول في سيف الدولة:
إذا ما علي أمطرتك سماؤه
رأيت العلا، أنواؤها تتحلب
يرجى ويخشى ضره وهو نافع
كذا البحر في أزاته متهيب
يروع ويبدو الأنس منه كأنه ال
هوى لذعه بين الجوانح يعذب
وأزهر يبيض الندى منه في الرضا
وتحمر أطراف القنا حين يغضب