6
وقد ذكر أنه تخرج في هذه المدرسة الحلبية الحمدانية أبو بكر الخوارزمي، والقاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني مؤلف «الوساطة بين المتنبي وخصومه».
كانت ميزات سيف الدولة - وإن شئت فقل: وعيوبه أيضا - مشجعة على النهوض بالشعر والأدب والعلم إلى غاية بعيدة؛ فهو عربي من تغلب يعتز بنسبه ومجد بيته، وفيه الطباع العربية التي في البيوتات الكبيرة، يطمح كل الطموح لحسن الأحدوثة؛ ولذلك كان يهمه أن يكون حوله أعاظم الشعراء يشيدون بذكره ويسير شعرهم في الآفاق مدحا فيه، ثم هو فارس فيه صفات الفروسية من إباء وفخر ونصرة للضعيف، ومعونة للبائس والفقير، يرى المجد والمروءة في الزهادة في المال للاعتزاز بالمجد، والإغداق على الأصدقاء والشعراء وسيلة للمطمح؛ يهمه جانب الإنفاق كيف يغدق أكثر مما يهمه جانب العدل في تحصيل المال كيف يجمع، ولهذا يوم مات كثر البكاء منه والبكاء عليه، كما وصفه بعضهم: الصفتان البارزتان فيه هما مجد العرب؛ الشجاعة والكرم، وهما عنصر المروءة التي كثر تمدح العرب بها، إلى ملكة جيدة في تقدير الشعر وتذوقه، والإعجاب بجيده إعجابا لا قيمة للمال بجانبه.
عرف الشعراء والأدباء والعلماء ذلك كله منه فقصدوه من كل جانب، وبالغوا في تحسين بضاعتهم وتجويد فنهم، وإحسان عرضهم، فنالوا منه ما تمنوا، وكان ذلك نعمة على الفنون والعلوم، وثروة بقيت على الزمان، وإن ضاعت به ثروة آل حمدان.
فهو يصوغ دنانير خاصة للصلات وزن كل دينار عشرة مثاقيل، عليها اسمه وصورته، ويعطي منها الببغاء الشاعر فيقول:
نحن بجود الأمير في حرم
نرتع بين السعود والنعم
أبدع من هذه الدنانير لم
يجر قديما في خاطر الكرم
فقد غدت باسمه وصورته
في دهرنا عوذة من العدم
فيعطيه سيف الدولة عشرة أخرى.
ولما عزم أبو إسحاق الصابي على الرحيل من حلب طلب إليه أن يقول شيئا في سيف الدولة، فقال ثلاثة أبيات، فأعطاه كيسا مختوما بختم سيف الدولة فيه ثلاثمائة دينار،
7
وجاء إليه القاضي أبو نصر محمد النيسابوري، فطرح من كمه كيسا فارغا ودرجا فيه شعر استأذنه في إنشاده فإذن له، فأنشد قصيدة أولها:
حباؤك معتاد وأمرك نافذ
وعبدك محتاج إلى ألف درهم
فأمر له بألف دينار فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه.
8
ولما أنشده المتنبي قصيدته التي يقول فيها:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي
والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أقل أنل أقطع أجمل عل سل أعد
زد هش بش تفضل أدن سر صل
وقع سيف الدولة تحت كل كلمة من هذه، فوقع تحت أنل: نحمل إليك من الدراهم ما تحب. وتحت «أقطع»: أقطعناك ضيعة كذا بباب حلب. وتحت سر: قد سررناك. فقال المتنبي: إنما أردت من التسري، فأمر له بجارية
9 ... إلخ.
وذاع صيته بالعطاء والجود في سائر الأقطار الإسلامية، فقصده الفقراء والمعوزون، فكان يكتب إليه في حوائج المحتاجين من العلماء ومن نكبهم الدهر بعد عزة. ووضع بديع الزمان الهمذاني مقامة من مقاماته سماها المقامة الحمدانية، أسسها على أن سيف الدولة قد حضر مجلسه جماعة من الأدباء. وقد عرض عليه فرس جميل، فقال سيف الدولة للأدباء: «أيكم أحسن صفته جعلته صلته.» فوصفه أبو الفتح الإسكندري - بطل مقامات البديع - فأعطاه له، والقصة بالضرورة خيالية، ولكنها تمثل صورة سيف الدولة في أذهان الأدباء.
ثم كان مجلسه مجلسا ممتازا؛ فقد منح ذوقا وقدرة على فهم الأدب وإدارة الحديث في المجالس، واستخراج أفضل ما عند العلماء والأدباء بالعطاء والتنافس، فأحيانا يقول البيت ويطلب من الشعراء أن يجيزوه، فيقول مرة: من يجيز هذا البيت:
لك جسمي تعله
فدمي لم تحله ؟
فيجيزه أبو فراس:
أنا إن كنت مالكا
فلي الأمر كله
وينقد المتنبي مرة في قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة