ويكاد يكون الطابع لحركة الحديث والفقه والتصوف في مصر والشام، طابعا واحدا لقرب القطرين، وتبادل العلماء الزيارة والرحلة، حتى كان كثير منهم يصعب عده مصريا أو شاميا لتوزع عمره وحياته العلمية بين القطرين. •••
وكما كان لمصر فضل في اتجاه بعض العلماء لتدوين تاريخها وخططها على يد ابن عبد الحكم ثم ابن يونس ثم الكندي ثم ابن زولاق، وكان للشام فضل من نوع آخر على يد أبي عبد الله محمد بن أحمد المقدسي (336ه إلى نحو سنة 380ه)، فقد رأى أن المملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري لم توصف وصفا كافيا لا من ناحيتها الجغرافية، كوصف المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار والمدن والأمصار والنبات والحيوان، ولا من الناحية الاجتماعية كاللغات والألوان والمذاهب والنقود والمزايا والعيوب، والسعة والخصب والضيق والجدب، ولم يعجبه ما كتبه من قبله، وشعر بقصور المؤلفات في ذلك فجرد نفسه لهذا وطاف أكثر البلاد الإسلامية، وكتب كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، وكان فيه من أصدق الرحالين ملاحظة، وأدقهم نظرا، وأحسنهم لموضوعه ترتيبا، وقد عمل كل حيلة والتحق بكل صناعة وتحمل كل مشقة، وأنفق فوق عشرة آلاف درهم، وعرض نفسه لكل خطر في سبيل الحصول على المعرفة، وجاءته فكرة «الخرائط» فعملها في كتابه هذا، بل جاءته فكرة الخرائط الملونة، واختيار الألوان المناسبة؛ فالحدود والطرق بالحمرة، والرمال بالصفرة، وبالبحار بالخضرة، والأنهار بالزرقة، والجبال بالغبرة.
وقد ساح في جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب، ثم بلاد فارس والسند والهند، وألف كتابه هذا بعد هذه الرحلة سنة 375ه، فكان له الفضل الأكبر في هذا الباب.
ولكن لعل أكبر حركة في الشام وأعظمها في الأدب واللغة وعلومها، كانت في ذلك العصر في بلاط الأمراء الحمدانيين في حلب، وخاصة أيام سيف الدولة؛ فقد فاقت حركة الشعر واللغة والنحو ما إليه نظيرتها في مصر، وربما في العراق أيضا، قال الثعالبي: «لم يزل شعراء عرب الشام وما يقاربها أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها - في الجاهلية والإسلام - والكلام يطول في ذكر المتقدمين منهم، فأما المحدثون فخذ إليك منهم: العتابي، ومنهور النمري، والأشجع السلمي، ومحمد بن زرعة الدمشقي، وربيعة الرقي، على أن في الطائيين - يعني أبا تمام والبحتري - اللذين انتهت إليهما الرياسة في هذه الصناعة كفاية، وهما هما، فأما العصريون ففيما أسوقه من غرر أشعارهم أعدل الشهادات على تقدم أقدامهم والسبب في تبريز القوم قديما وحديثا في الشعر قربهم من خطط العرب، ولا سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق بمجاورة الفرس والنبط ومداخلتهم إياهم.
ولما جمع شعراء العصر من أهل الشام بين فصاحة البداوة، وحلاوة الحضارة، ورزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدان وبني ورقاء، هم بقية العرب والمشغوفون بالأدب، والمشهورون بالمجد والكرم، والجمع بين آداب السيف والقلم، وما منهم إلا أديب جواد يحب الشعر وينقد، ويثيب على الجيد منه فيجزل ويفضل، انبعثت قرائحهم في الإجادة فقادوا محاسن الكلام بألين زمام، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا.
وأخبرني جماعة من أصحاب الصاحب ابن عباد أنه كان يعجب بطريقتهم المثلى التي هي طريقة البحتري في الجزالة والعذوبة، والفصاحة والسلاسة، ويحرص على تحصيل الجديد من أشعارهم، ويستملي الطارئين عليه من تلك البلاد ما يحفظونه من تلك البدائع واللطائف حتى كتب دفترا ضخم الحجم عليها، وكان لا يفارق مجلسه، ولا يملأ أحد منه عينه غيره، وصار ما جمعه فيه على طرف لسانه، وفي سن قلمه، فطورا يحاضر به في مخاطباته ومحاوراته، وتارة يحله أو يورده كما هو في رسائله.