تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وكما يتجلى في كتاب «المكافأة» لأحمد بن يوسف المعروف بابن الداية، فقد ألفه في العهد الطولوني، وبناء على قصص لمن عملوا الجميل فكوفئوا عليه بالجميل، فموضوعه طريف، وعرضه في أسلوب قوي جزل متين.

إلى جانب هاتين الحركتين الدينية والأدبية، كانت حركة العلوم الفلسفية التي تشمل الطب والنجوم والإلهيات وما إليها، وهي بقية من بقايا مدرسة الإسكندرية، وقد كانت لا تزال باقية في مصر، وإن ضعفت بالفتح الإسلامي، وإقبال الناس على الثقافة العربية يتعلمون لغتها، ويبحثون فيما أتت به من دين، فاتجهت أكثر الثقافة إلى الاشتغال بالدين الإسلامي وعلومه، واللغة العربية وعلومها، وبقيت بقية قليلة للفلسفة وما إليها، كان أكثرها من رجال الدين النصارى لامتزاج النصرانية بالأفلاطونية الحديثة، عندما اختلف النصارى في عقائدهم، وتجادلوا في مذاهبهم، والتجأ كل مذهب إلى الاستعانة بالفلسفة اليونانية في تأييد رأيه.

وكان أمراء مصر وولاتها يحتاجون إلى الأطباء والمنجمين، وقل أن يجدوهم إلا في النصارى، والطب والتنجيم فرعان من فروع الفلسلفة اليونانية، كان من اشتغل بهما مضطرا أن يقرأ الفلسفة اليونانية في إلهياتها وطبيعتها وكيميائها.

فاشتهر من هؤلاء سعيد بن نوفل النصراني طبيب ابن طولون، كما اشتهر سعيد بن البطريق، «وكان طبيبا نصرانيا من أطباء فسطاط مصر، وكانت له دراية بعلوم النصارى ومذاهبهم ... وقد عين بطريركا على الإسكندرية، ومات سنة 328ه، وله كتب في الطب، والجدل بين المخالف والنصراني ... إلخ».

5

وقد ترجم كتاب «الحيوان» لأرسطو، وكتاب «السماء والعالم» لأرسطو أيضا.

على أن بعض علماء المسلمين المصريين كان يتصل بهذه الحركة ويتصل برجالها ويقرأ كتبها، فابن الداية الذي سبق ذكره كان - كما يقول ياقوت - «أحد وجوه الكتاب الفصحاء والحساب والمنجمين، مجسطي، إقليدسي، حسن المجالسة، حسن الشعر». ونجده ينقل في كتابه «المكافأة» عن أفلاطون، ونجد ذا النون المصري الصوفي المشهور يتحدث عن الرهبان، ويروون في ترجمته أنه كان يعرف: السحر، والطلسمات، والكيمياء. ويعقد الأستاذ نيكلسون ما في بعض أقواله من شبه بينها وبين أقوال «الأفلاطونية الحديثة».

من هذا نفهم أنه كانت هناك حركة فلسفية في مصر من أثر مدرسة الإسكندرية، ومن أثر الوافدين من العراق، بما ترجموا من كتب، وأن بعض العلماء المصريين اشتغل بها وتأثر وتثقف، وإن كان ذلك في دائرة ضيقة إذا قيست بدائرة علوم الدين واللغة.

وكانت الحركة العلمية في الشام في العهد الطولوني والإخشيدي صورة للحركة في مصر، وربما كانت أصغر منها؛ لأن مركز الولاة الطولونيين والإخشيديين في مصر؛ ولأن مصر كانت أغنى، وكثيرا ما كان يزدهر العلم في ظل البلاط وتشجيع الأمراء وكثرة المال، إلا فن الشعر فقد كانت في الشام أرقى منه في مصر، كما سيأتي.

فكان في الشام طائفة كبيرة من المحدثين والفقهاء والصوفية والقراء - أمثال إخوانهم في مصر، فالإمام الأوزاعي البيروتي المتوفى سنة 157ه كان له من الأثر في الشام في الحديث والفقه ما لليث بن سعد والشافعي بمصر، واشتهر بها كثير من المحدثين والفقهاء في هذا العصر كزكريا بن يحيى السجري المتوفى سنة 289ه، وكان يعرف بخياط السنة، ومحمد بن عوف الطائي الحمصي المتوفى سنة 269ه، وكان أعرف الناس بالأحاديث التي رويت في الشام، وأبي بكر محمد بن بركة الحميري اليحصبي القنسريني وأمثالهم كثير.

وانتشرت حركة التصوف من مصر إلى الشام عن طريق ذي النون المصري وأصحابه، فظهر في الشام طاهر المقدسي، أخذ التصوف عن ذي النون المصري وغيره، وسماه الشبلي «حبر الشام»، ورويت عنه أقوال كثيرة في التصوف كقوله: «المفاوز إليه منقطعة، والطرق إليه منطمسة، والعاقل من وقف حيث وقف العوام.» كما ظهر أبو عمرو الدمشقي أخذ التصوف عن أصحاب ذي النون وغيرهم، مات سنة 320ه، وكان يقول: التصوف غض الطرف عن كل ناقص؛ ليشاهد من هو منزه عن كل نقص. وأبو إسحاق الرقي كان من أكبر مشايخ الشام ومتصوفيها، مات سنة 326ه ... إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٦٤