فكانا بعلمهما مصدرا لحركة قوية لغوية ونحوية في مصر، وتعلم عليهما كثيرون. وقد مات النحاس سنة 338ه بعد ابن ولاد بست سنوات.
وقد ذكر لنا المتنبي في شعره في كافور أنه كان يدرس بمصر فن «الأنساب»، وعد من مضحكات مصر أن الذي كان يدرس أنساب العرب نبطي من أهل العراق، فقال:
بها نبطي من أهل السواد
يدرس أنساب أهل الفلا
وقد ذكروا أنه يريد ابن حنزابه، وهو متحامل عليه، فابن حنزابه هذا من أفضل الناس وعلمائهم، وهو ابن وزير العراق الخطير ابن الفرات. وكان ابن حنزابه وزيرا للدولة الإخشيدية، وكان عالما محبا للعلماء يقربهم ويشجعهم ويصلهم بماله، حتى قصده من علماء الأقطار الأخرى كثيرون، وكان يملي الحديث بمصر وهو وزير، ويقصد إليه المحدثون يسمعون روايته، وله تآليف في أسماء الرجال والأنساب. وقد أراد المتنبي أن يمدحه فعمل فيه قصيدته «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»، ولكنه لم ينشدها، فلما غضب على كافور، وغضب على وزيره وخرج من مصر حولها في مدح ابن العميد، وعرض بابن حنزابه.
أما الحركة الأدبية فقد كان الشعر فيها هزيلا، ومنذ الفتح الإسلامي إلى هذا العهد الطولوني والإخشيدي لم تخرج مصر شاعرا كبيرا يضاهي شعراء العراق أمثال أبي تمام والبحتري وابن الرومي، وهي ظاهرة تستحق النظر، فقد كانت الفنون راقية، كما يتجلى ذلك في عمارة الفسطاط ومسجد ابن طولون، وكما كان فن الغناء لا بأس به، كما يتجلى في وصف القيان في العهد الطولوني، وكانت هناك العناية بالبساتين والأزهار، ولكن مع هذا كله لم تنبغ الشاعرية لا في العرب الذين وفدوا إلى مصر وأبنائهم، ولا في المصريين الصميمين ممن تعلموا العربية؛ فنجد الفقيه المصري الذي يضاهي أئمة العراق كالليث بن سعد، ونجد المحدث الذي يشابه أكبر محدثي العراق كابن لهيعة، والنحوي الذي يضاهي نحويي البصرة والكوفة كابن ولاد، ونجد أتباع الأئمة في هذه العلوم يشبهون الأتباع في العراق، ولكن لا نجد الشاعر النابغ هنا الذي يساوي الشاعر النابغ هناك؛ فهل هذا لأن الشعر كان لا يرقى إلا في بلاط الخلفاء؟ أو أن نبوغ الشعراء كنبوغ العظماء والزعماء خاضع لقوانين لم تستكشف بعد؟ أو لغير ذلك من أسباب؟
على كل حال كان أشهر شعراء مصر في العهد الطولوني الحسين بن عبد السلام المعروف بالجمل، لم يصلنا شعره كاملا، وإنما هي نتف هنا وهناك، في مديح أحمد بن طولون:
له يد كم خلدت من يد
سحابة عمت بأنوائها
وهو لدى الهيجاء ليث إذا
ما ثقلت قامت بأعبائها
انظر إلى مصر بسلطانه
تر الهدى فاض بأرجائها
وربما تظهر مصريته في ميله إلى الفكاهة، كقوله في ابن المدبر صاحب خراج مصر، وكان الشاعر إذا مدحه ولم يرتض شعره أمر من يحمله إلى المسجد، ويفرض عليه أن يصلي عددا معلوما من الصلاة، فقال الجمل:
قصدنا في أبي حسن مديحا
كما بالمدح تنتجع الولاة
فقالوا يقبل المدحات لكن
جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما تغني صلاتي
عيالي؟ إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها
فتصبح لي الصلاة هي الصلات
وله شعر رواه الكندي في أخبار القضاة، كان يقوله في المناسبات عندما يحدث في مصر بعض الأحداث.
كما كان هناك شعراء آخرون في العهد الطولوني والإخشيدي في مثل منزلة الجمل؛ ولذلك لما جاء المتنبي مصر في عهد كافور ابتلعهم كما يبتلع الحوت الكبير السمك الصغير، ولم يستطع أن يجاريه منهم أحد.
وربما كان حظ النثر الفني أكبر من حظ الشعر، كما يتجلى ذلك فيما بقي لنا من رسائل «ابن عبد كان» ككتابه الذي كتبه على لسان أحمد بن طولون لابنه لما خرج عليه، ففيه المسحة العراقية، جمعت بين طول نفس الجاحظ، وجزالة عمرو بن مسعدة، مع ميل إلى السجع كثيرا، والمزاوجة دائما، وإطناب في اللفظ، وتكرار للمعنى من مثل قوله: «واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلك، والمكروه إن شاء الله قد أحاط بك، والعساكر بحمد الله قد أتتك كالسيل في الليل، تؤذن بحرب وويل، فإننا نقسم، ونرجو ألا نجور ونظلم، ألا نثني عنك عنانا، ولا نؤثر على شأنك شانا، ... منفقين كل مال خطير، ومستصغرين بسببك كل خطب جليل، حتى تستمر من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت ... إلخ.»