3
وأن سيبويه المصري كان معتزليا، وكان يتكلم على أصول المعتزلة، ويقول بخلق القرآن، والناس يحتملون منه ما لا يحتملونه من سواه للوثة كانت فيه.
وكل ذلك في العهد الإخشيدي.
ثم ظهر في جو مصر مظهر ديني من نوع جديد على يد ذي النون المصري أحد مؤسسي التصوف، والذي أحدث ضربا من الكلام لم يعرف قبل في مصر، أصله من إخميم من صعيد مصر من أبوين نوبيين، وأخذ العلم المعروف في مصر من حديث وفقه، ووصف بأنه كان يعرف الكيمياء، ويقرأ الخط الهيروغليفي على البرابي، ورحل إلى بلاد كثيرة كتاهرت بالمغرب، وبيت المقدس وأنطاكية ، واليمن وبغداد، ومكة والمدينة، وقابل الرهبان وتحدث إليهم، ثم طلع على الناس في مصر بكلام لم يألفوه، من الكلام في الأحوال والمقامات والحب الإلهي، وأن مصادر المعرفة العقل والنقل، وشيء آخر زاده هو وهو الكشف، وأن هناك علما ظاهرا، وعلما باطنا، ويعرض هذه الأقوال في أسلوب شعري جذاب.
وطبيعي أن تلاقي هذه التعاليم معارضة من الفقهاء الذين لا يؤمنون إلا بالنقل فإن تجاوزوه فبالعقل، أما الكشف وعلم الباطن والحب والفناء فشيء لم يسمعوا به فعارضوه، وكان على رأس المعارضين عبد الله بن الحكم شيخ المالكية، وابن أبي الليث قاضي مصر الحنفي القوي الجبار، فكلاهما لم يرض عن ذي النون وتعاليمه، فاضطهد واتهم بالزندقة، وأخيرا أرسل إلى دار الخلافة ببغداد فسجن في المطبق، ولكن مساعي الصوفية ببغداد واتاصلهم برجال المتوكل جعلت المتوكل يستدعيه ويسمع منه ويتأثر بمواعظه، فيرسله إلى مصر مكرما، ويعيش بعد ذلك تسع سنوات ينشر فيها تعاليمه آمنا مطمئنا حتى يموت سنة 245ه.
ومن ذلك الحين وجدت بمصر الحركة الصوفية، وقويت حتى كان لها دخل في عزل بعض الولاة. وتتابع في مصر بعد ذي النون أقطاب الصوفية، مثل أبي الحسن بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الجمال، أصله من واسط، وصحب الجنيد ووفد على مصر، ورأس الحركة الصوفية، وأنكر على ابن طولون تصرفاته، وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر في غير مبالاة، فرووا أنه قدمه لأسد فلم يؤذه فشاع ذكره في مصر، ولما مات خرج في تشييع جنازته أكثر أهلها. ومن كلامه: «أجل أحوال الصوفية الثقة بالمضمون، والقيام بالأمر، والمراعاة للسر، والتخلي من الكونين، والتعلق بالحق.» مات بمصر سنة 316ه.
هذه هي الحركة الدينية في مظاهرها المختلفة، وبجانبها كانت حركة لغوية ونحوية عني بها؛ لأنها مفتاح لفهم القرآن والسنة، وأداة لفهم الأحكام، وقد نبغ في هذا العصر ابن ولاد، وأبو جعفر النحاس.
فأما ابن ولاد أحمد بن محمد بن الوليد فمصري أصله من تميم، وكان من أسرة عرفت بالنحو هو وأبوه وجده، وقال عنه المبرد: إنه شيخ الديار المصرية في العربية ، وقد درس النحو ببغداد على الزجاج، ثم أتى مصر ينشر النحو على طريقة العراق، وألف كتاب «الانتصار لسيبويه»، وكتاب «المقصور والممدود»، وهو يذكر فيه ما ورد من الكلام مقصورا وممدودا، فيقول - مثلا: الأنى: واحد ساعات الليل، مقصور يكتب بالياء ... وإنى الشيء: بلوغه وإدراكه، كذلك مقصور، قال تعالى:
إلى طعام غير ناظرين إناه ؛ أي بلوغه وإدراكه ... وأما الأناء بفتح أوله فممدود، وهو الانتظار والتأخير، قال الحطيئة:
وآنيت العشاء إلى سهيل
أو الشعرى فطال بي الأناء
والأناء: واحد الآنية، والأناة: من قولهم: رجل ذو أناة. وهي التؤدة، قال النابغة: «الرفق يمن والأناة سعادة.»
ويقال: امرأة أناة، وهي التي فيها فتور عند القيام، والأصل: وناة؛ لأنها من ونى يني، قال تعالى:
ولا تنيا في ذكري .
وهكذا يأتي بكل الكلمات اللغوية التي ورد فيها القصر والمد، ويشرحها ويستشهد له ويصرفها، وهو اتجاه لغوي طريف.
مات سنة 332ه في الدولة الإخشيدية.
وأما أبو جعفر النحاس فمصري عربي الأصل من مراد، وقد تعلم النحو كذلك في العراق، وأخذ عن الأخفش الصغير والمبرد والزجاج، وكان هو وابن ولاد متعاصرين، زميلين في التعلم ببغداد وفي التعليم بمصر. وقد ألف «إعراب القرآن»، و«معاني القرآن»، و«المبهج في اختلاف البصريين والكوفيين»، و«وشرح المعلقات»، و«شرح المفضليات»، و«شرح أبيات الكتاب» - كتاب سيبويه - و«الاشتقاق»، و«أدب الكتاب» ... إلخ.