ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه
حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
نشرت عن مصر من سكانها علما
مبجلا بجمال القوم منصوبا
كشفت عن فخرهم للناس ما سجعت
ورق الحمام على الأغصان تطريبا
أعربت عن عرب، نقبت عن نخب
سارت مناقبهم في الناس تنقيبا
أنشرت ميتهم حيا بنسبته
حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا
ومهما كان هذا الشعر ضعيفا، ففيه دلالة على تقدير هذا المؤرخ واتجاهه في نشر مفاخر مصر ورجالها. (2)
الكندي:
محمد بن يوسف من كندة، كان من أعلم الناس بتاريخ مصر، وأهلها وأعمالها وثغورها، وهو مصري نشأ بمصر ومات بها (283ه-350ه).
وقد ثقف ثقافة محدثين، وكان أشهر أساتذته ابن قديد، والنسائي أحد مؤلفي الصحاح، وقد زار النسائي مصر إذ كان عمر الكندي سبعة عشر عاما، وأقام بها زمنا فأخذ عنه الكندي، ثم عني بتاريخ مصر، وألف في ذلك كتبا كثيرة، فألف في ولاة مصر وقضاتها - وقد وصل إلينا هذا الكتاب - وألف في خطط مصر، وكتابا في موالي مصر، وقد كانت هذه الكتب مما اعتمد عليها المقريزي في خططه. وكتابه الذي وصل إلينا عن قضاة مصر وولاتها يلقي لنا ضوءا كبيرا على حالة مصر السياسية والاجتماعية والأدبية، إذ يعرض للأحداث التي حدثت في عهد كل وال، وكيف تصرف فيها، وما قيل فيها من الشعر. (3)
ابن زولاق:
وهو الحسن بن إبراهيم الليثي بالولاء. عني كذلك بتاريخ مصر، فأكمل أخبار قضاة مصر للكندي إلى سنة 386ه؛ أي قبل وفاته بسنة، فقد مات سنة 387، وعني بخطط مصر فألف فيها، وكانت خططه أساسا لمن أتى بعده من مؤلفي الخطط كالقضاعي، وابن بركات، ثم المقريزي.
كما ألف لنا كتابا في أخبار سيبويه المصري أحد عقلاء المجانين، فروى لنا طرفا من جيد أقواله، وغريب أحداثه، وأفادنا به فوائد كثيرة عن الحالة الاجتماعية في العهد الإخشيدي.
وجاء مصر في العصر الإخشيدي المؤرخ المشهور «المسعودي» بعد أن رحل إلى فارس والهند، وسيلان والصين، وطاف المحيط الهندي، ورحل رحلة أخرى إلى ما وراء أذربيجان وجرجان، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر، ونزل الفسطاط وأقام بمصر نحو سنتين إلى أن توفي سنة 346ه، وكان مؤرخا ممتازا على من سبقه بكثرة تجاربه من رحلاته ومشاهداته، ودقة نظره، وسعة اطلاعه، والتفاته إلى آفاق واسعة في التاريخ، كالحياة الاجتماعية والاقتصادية، والمذاهب الدينية، وأصول الحضارة، وغير ذلك، وقد بعد في التاريخ عن أسلوب المحدثين، فانتقل به خطوة أخرى، ولا شك أن وجوده بمصر ونشر كتبه فيها كان له أثر كبير في الثقافة التاريخية.
وانتقلت من العراق إلى مصر صورة من خلافات المتكلمين، وذلك على أثر أمر المأمون بأخذ العلماء والقضاة بالقول بخلق القرآن ، وإرسال منشور لولاة الأمصار بتنفيذ ذلك، فجاء المنشور مصر في جمادى الثانية سنة 218ه، فامتحن والي مصر قاضيها، فقال بخلق القرآن، وامتحن الشهود والمحدثين، وكانت الحركة عنيفة عذب فيها خلق كثير، وخاصة في عهد الواثق. قال الكندي: «إن أمر المحنة - محنة خلق القرآن في مصر - كان سهلا في ولاية المعتصم، لم يكن الناس يؤاخذون بها شاءوا أو أبوا حتى مات المعتصم، وقام الواثق سنة 227ه فأمر أن يؤخذ الناس بها، وورد كتابه على محمد بن أبي الليث - قاضي مصر - بذلك، وكأنها نار أضرمت ... فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث، ولا مؤذن ولا معلم، حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة. وأمر ابن أبي الليث بأن يكتب على المساجد: «لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق»، فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المسجد، وأمرهم ألا يقربوه.»
وكان طبيعيا أن تثير هذه المسألة في الجو المصري الجدل في الاعتزال وأصوله، واعتنقه قوم ورفضه آخرون. ولما جاء المتوكل وأغلق هذا الباب ظل قوم يعتنقون مذهب الاعتزال، ويدعون إليه في العصر الطولوني والإخشيدي، ولكن في شيء من الخفية، فيذكر ابن زولاق أن أبا علي محمد بن موسى القاضي الواسطي كان وجه المتكلمين بمصر، وكان يعلم الاعتزال، وأنه كان بها أبو عمران موسى بن رباح الفارسي أحد شيوخ المعتزلة،