تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما اشتهر من المالكية روح بن الفرج أبو الزنباع الزبيري المتوفى سنة 282ه، وأحمد بن الحارث بن مسكين المتوفى سنة 311ه. وأمثال هؤلاء كثيرون لا نطيل بذكرهم.

وهذه الدراسة كانت تعتمد على تفهم معاني القرآن ورواية الحديث، وأقوال الأئمة، واستنباط الأحكام، كل على أصول مذهبه، وكانت على نمط الدراسة في العراق موضوعا ومنهجا؛ إذ كانت رحلة العلماء في حركة مستمرة كأن المملكة الإسلامية كلها على اتساع رقعتها بقعة واحدة.

وكان النابغون في مصر من علماء الدين إما من أصل عربي يرجع نسبه على القبائل العربية الفاتحة أو الوافدة، أو من أصل مصري أصله قبطي وأسلم هو أو أسلم أجداده، كما نرى في عثمان بن سعيد الملقب بورش أحد القراء المشهورين؛ فأصله قبطي، وانتهت إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية، وقد مات بمصر سنة 197ه، وخلف من حمل علم القراءة بعده، واستمرت حركته إلى هذا العصر الذي نؤرخه.

وربما كان أكبر من يمثل الثقافة الدينية في هذا العصر أيضا أبو بكر بن الحداد، فقد وصفوه بأنه عالم بالقرآن والحديث، والأسماء والكنى، والنحو واللغة، وسير الجاهلية، والشعر والنسب، واختلاف الفقهاء، وكان أعلم أهل وقته، وولي القضاء للإخشيد، وعاش تسعا وسبعين سنة، ومات سنة 344ه، وكان يلقب بفقيه مصر وفصيحها وعابدها، وكان يدرس في جامع عمرو، وأخذ عنه أعلام الجيل الذي بعده.

ويصف ابن زولاق سيبويه المصري، فيقول: «كانت فيه صفات تشبه المتصدرين: يحفظ القرآن، ويعلم كثيرا من معانيه وقراءاته، وغريبه وإعرابه وأحكامه، عالما بالحديث وبغريبه ومعانيه وبالرواة، ويعرف من النحو، والغريب ما لقب بسببه سيبويه، ويعرف صدرا من أيام الناس، والنوادر والأشعار، وتفقه على قول الشافعي.»

فيكاد يكون هذا برنامجا عاما لهذا النوع من الثقافة الدينية.

ولم تكن هناك مدارس في العهد الطولوني والإخشيدي، إنما تلقى الدروس في المساجد كمسجد عمرو، وابن طولون، وفي بيوت الأمراء والوزراء والعلماء، وكانت هناك سوق تسمى «سوق الوراقين» تباع فيها الكتب، وأحيانا تدور في دكاكينها المناظرات.

1

وكان بجانب الحركة الدينية حركة تعنى بتدوين أحداث مصر وتاريخها، وتسلك في منهجها مسلك المحدثين، غاية الفرق أن المحدثين يجمعون ما روي عن رسول الله والصحابة والتابعين فيما يتعلق بالأحكام الدينية ونحوها، وهؤلاء يروون ما قيل في أحداث التاريخ، إنما الأسلوب واحد في الرواية؛ رجلا عن رجل «حدثنا فلان عن فلان قال»، وقد لا يدققون في هذا الباب دقتهم في باب الأحاديث الدينية؛ ولذلك نرى من تخصص في التاريخ أيضا ممن كانت دراستهم أساسها الحديث والفقه، ولنسق مثلا لذلك: «حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عمر بن الخطاب قد أشفق على عمرو بن العاص عند فتحه لمصر فأرسل الزبير في أثره في اثني عشر ألفا، فشهد معه الفتح.»

2

والمؤرخون من هذا النوع أوثق فيما نقلوه عن الفتح الإسلامي وبعده؛ منهم فيما نقلوه عن تاريخ قبل الفتح، فهذا مملوء بالخرافات لجهلهم بالمصادر الصحيحة في تاريخ اليونان والرومان ومن قبلهم إلى قدماء المصريين.

وقد اشتهر من هؤلاء ثلاثة مؤرخين في هذا العصر: (1)

ابن يونس:

وهو أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى من بيت عرف بالحديث والفقه، عربي الأصل من قبيلة الصدف، كان جده من أصحاب الشافعي، وقد قال فيه الشافعي: «ما رأيت بمصر أعقل من يونس.» وانتهت إليه رياسة العلم بمصر، فجاء حفيده هذا يعنى بتاريخ مصر بعد أن تثقف بالفقه والحديث، وقرأ ما كتبه مؤرخو مصر قبله كابن عبد الحكم وغيره، وقد عاش في العهد الطولوني والإخشيدي، عاش من (281ه-347ه)، ووجدت عنده العصبية لمصر يؤرخها ويعنى بحوادثها ورجالها، وقد جمع لها تاريخين: أحدهما - وهو الأكبر - يختص بالمصريين منشأ، والآخر صغير فيمن ورد على مصر من الغرباء، وقد عني بجمع أحوال الناس، مطلعا على ما ألف فيها لعصره، واشتهر بين المصريين بذلك، فقد قال أحد شعرائهم في رثائه:

ظهر الإسلام · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٦٠