وأبو حيان التوحيدي يمثل في أدبه وكتابته علاقة الأدباء والعلماء بالولاة والوزراء والأغنياء، فإن أعطوا حسنت حالهم، وإلا ساء عيشهم، إذ لا مورد آخر لهم. وقد كان أبو حيان غير موفق في استجدائه؛ ولعل سبب ذلك أنه لم يكن لبقا ولا ماكرا إلى طول لسان، وإقذاع في الهجو لمن لا يعطيه، فعاش بائسا فقيرا، ومثل ذلك في أدبه فيقول: «فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرفق ومشفق، ووالله لربما صليت في المسجد، فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي، فإن اتفق فبقال أو عصار أو نداف أو قصاب، ومن إذا وقف إلى جانبي أسدرني بصنانه، وأسكرني بنتنه؛ فقد أمسيت غريب الحال، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنسا بالوحشة، قانعا بالوحدة، معتادا للصمت، ملازما للحيرة، محتملا للأذى، بائسا من جميع ما ترى، متوقعا ما لا بد من حلوله، فشمس العمر على شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول.»
وقد خاب ظنه فيمن أملهم من مثل ابن العميد، وابن عباد، وابن سعدان، وأبي الوفاء البوزنجاني، فملأ كتبه: «الصداقة والصديق»، و«الإمتاع والمؤانسة»، و«المقابسات» بالشكوى منهم، ثم لم يحظ بطائل.
هذا هو الأدب في ذلك العصر يصور المجتمع في شتى نواحيه.
| هوامش
| مراكز الحياة العقلية في ذلك العصر
الفصل الأول
| مصر والشام
توالى على مصر والشام في هذا العهد الدولة الطولونية (245ه-292ه)، ثم الإخشيدية (323ه-358ه)، والدولة الحمدانية في حلب والموصل (317ه-394ه)، والفاطمية من (سنة 362ه-567ه).
وكانت الحركة العلمية فيها تنمو تبعا لسنة النشوء والارتقاء.
وأظهر الحركات العلمية فيهما الحركة الدينية من تفسير وحديث وفقه وقراءات؛ إذ كانت هي الحركة العلمية الغالبة في المملكة الإسلامية، وكان رجالها أنشط العلماء، وأميلهم إلى الرحلة للإفادة والاستفادة؛ للوازع الديني القوي عندهم، فكان يرد على مصر والشام كثيرون من العلماء الدينيين من العراق وفارس والحجاز والمغرب، فينشرون علمهم ويأخذون ما ليس عندهم، فكان مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط، ومسجد أحمد بن طولون، والأزهر فيما بعد مصدرا لثقافة دينية واسعة. كما كان المصريون والشاميون يرحلون إلى الأقطار الأخرى لأخذ العلم من علمائها.
فكان من أشهر المحدثين والفقهاء في العهد الطولوني وقبله: الربيع بين سليمان المرادي بالولاء، وقد امتاز بسعة الحفظ وجمع الرواية، وإن لم يمتز بالذكاء، له الفضل الأكبر في حفظ مذهب الشافعي وروايته؛ فقد كان تلميذه، وكان مقربا إليه، وقد نفعته قلة ذكائه في اعتماده على الضبط والتثبت أكثر مما يعتمد على الذكاء والاستنتاج، وأدرك الشافعي هذه الميزة فيه فقربه إليه، وعني بتحميله علمه، وأفاد مصر كثيرا فإنه عمر طويلا، إذ عاش نحو ست وتسعين سنة (174ه-270ه)، فيكون قد عمر في العهد الطولوني نحو ستة عشر عاما. وكان يدرس في جامع الفسطاط، ثم استدعاه أحمد بن طولون إلى التدريس في مسجده لما بناه، وقد نشر في مصر أحاديث الشافعي وفقهه، كما روى أحاديث كثيرة رواها عن غير الشافعي كعبد الله بن وهب، ويحيى بن حسان، وأسد بن موسى، وكان قبلة أنظار المحدثين من الأقطار المختلفة، فيرحلون إلى مصر يأخذون عنه وعن أمثاله، فروى عنه من جامعي الكتب الصحيحة أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وغيرهم، وعلى الجملة فكان الربيع بن سليمان مصدر حركة علمية دينية كبيرة.
وكما كان الربيع بن سليمان إمام الشافعية في مصر، كان أبو جعفر الطحاوي إمام الحنفية فيها، وكان من طحا وهي بلدة قديمة كانت في الوجه القبلي من أعمال «المنيا». كان الطحاوي من عرب الأزد الذين نزلوا بها، وتفقه على خاله المزني صاحب الشافعي، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وتعلم على من كان بمصر من العلماء، ومن دخلها من الغرباء، وكان مجتهدا في المذهب يضارع أبا يوسف ومحمدا، استفاد من جمعه بين فقه الشافعية والحنفية، فكان يجتهد، ويخالف أبا حنيفة عند قيام الدليل، وينقد الحديث نقد معنى وإن صح السند في نظر المحدثين، فكانت شخصيته غير شخصية الربيع بين سيلمان، إذ كان هذا عمدة في الرواية، وذاك عمدة في الدراية. وكان من أسبق المؤلفين المصريين في فنون مختلفة: ألف «معاني القرآن»، و«مشكل الآثار»، وشرح بعض كتب محمد بن الحسن، وألف في التاريخ والنوادر الفقهية. عاش من سنة 229ه-321ه، فعاصر الدولة الطولونية كلها، وترك في مصر حركة حنفية تساير حركة الربيع الشافعية، وتمتاز بإعمال العقل في التشريع بجانب النقل.