12
وقطع أعطياتهم. فلما قطع العطاء عنهم خرج يحيى بن الوزير الجروي في جمع لخم وجذام وقال: «هذا أمر لا نقوم في أفضل منه؛
13
لأنه منعنا حقنا وفيئنا.» واجتمع إليه نحو من خمسمائة رجل. فتوجه إليهم مظفر بن كيدر في بحيرة تنيس، فأسر يحيى بن الوزير وتفرق عن أصحابه، فانقرضت دولة العرب من مصر وصار جندها العجم والموالي من عهد المعتصم، إلى أن ولي أحمد بن طولون التركي، فاستكثر من العبيد وبلغت عدتهم زيادة على أربعة وعشرين ألف غلام تركي، وأربعين ألف أسود وسبعة آلاف حر مرتزق.
14
ولا شك أن هذه الحادثة أيضا أضعفت من شأن العرب وخاصة في مصر.
وتولى المتوكل سنة 232ه، فكان قد مضى على مجيء الأتراك اثنتا عشرة سنة تمكنوا فيها من الأرض وعرفوا الناس والبلاد، وخدمتهم الحوادث في إعلاء سلطانهم؛ فرأينا إيتاخ التركي هو الذي بيده معظم الأمور.
وإيتاخ هذا غلام تركي كان طباخا فاشتراه المعتصم، وكان ذا رجولة وبأس «فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالا كثيرة، وكان من أراد المعتصم أو الواثق قتله، فعند إيتاخ يقتل وبيده يحبس، منهم محمد بن عبد الملك الزيات، وأولاد المأمون». فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في أعلى مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبربر والحجابة ودار الخلافة،
15
حتى لقد خرج المتوكل مرة متنزها إلى ناحية القاطول وشرب وعربد على إيتاخ، فهم إتياخ بقتله، فلما أصبح أخبر المتوكل بذلك فاعتذر إلى إيتاخ وقال له: «أنت أبي وربيتني.»
16
نعم إن المتوكل دبر له مكيدة فقتله، ولكن هذا لم يضعف شأن الأتراك في شيء، بل أوغر صدرهم على المتوكل.
أصبحت أمور الدولة في يد الأتراك، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب، فهم يكرهون الفرس والعرب، وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض، وهم لا ينقطعون عن المؤامرات والدسائس، وتعصب كل فريق لقائد منهم، وهم كثيرو الطمع في الأموال لا يشبعون، وعلى الجملة فقد أصبحت «دار السلام» وما حولها ليست دار سلام.
لا بد أن يكون المتوكل قد شعر بهذا الجو الحائق بما يثيره الأتراك من شرور، ولا بد أن يكون قد أحس الخطر على حياته منهم، ففكر أن ينقل عاصمة الخلافة من العراق إلى دمشق، وأن يعود إلى عاصمة الأمويين لعله يجد فيها من العنصر العربي من يغنيه عن العنصر التركي؛ ففي سنة 243ه؛ أي بعد خلافته بإحدى عشرة سنة، رحل إلى دمشق، ولكنه لم يطل مقامه بها، فلم يستطب جوها كما قالوا. وهو مع هذا لم يسلم من شغب جنود الشام عليه، «فاجتمعوا وضجوا يطلبون الأعطية، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب»،
17
فعاد إلى سامرا، وكان بين خروجه منها وعودته إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وبعد أربع سنوات من عودته قتله الأتراك.
لقد رأى المتوكل أن يتخلص من الأتراك ويعيد الدولة سيرتها الأولى، ولكن كان ابنه المنتصر يشايعهم، «فعزم المتوكل أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفا وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ووجوههم»،
18
وعزموا على الفتك به؛ فكان ذلك مفترق الطرق، فإن نجح زالت دولة الأتراك وعادت غلبة الفرس، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن شاء القدر أن ينجحوا هم، فتقدم باغر التركي حارس المتوكل ينفذ مؤامرة من القواد الأتراك على رأسهم بغا الصغير، ومعه عشرة غلمان من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم، وصعدوا على سرير الملك، وضرب باغر «المتوكل» بالسيف فقده إلى خاصرته، ثم ثناه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح «بن خاقان» يمانعهم فبعجه واحد منهم بالسيف في بطنه فأخرجه من متنه، فلفا في البساط الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما، حتى استقرت الخلافة للمنتصر فأمر بهما فدفنا.
كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء على الخلفاء العباسيين، فكل من كان قبله مات حتف أنفه «إلا الأمين فقد قتل بعد هزيمته في الحرب». ولم يكن قتل المتوكل اعتداء على المتوكل وحده، بل هو قتل لسلطان كل خليفة بعده، ولم يكن قتله بيد باغر وحده بل بيد الأتراك. وكان في قتله حياة الأتراك وسلطانهم، وإنذار عام للبيت المالك أن من أراد أن يلي الخلافة فليذعن إذعانا تاما للأتراك، ومن حدثته نفسه - من الخليفة فمن دونه - أن يناوئهم فليوطن نفسه على القتل.